

(1919-1988)
بشير السباعي
ولد أحمد صادق سعد في يناير 1919 في شبرا باسم إيزيدور سلفادور لأب حرفي يهودي كان قد نزح إلى مصر من تركيا، هو رافاييل سيمون سالتييل، الذي كان أجداده قد نزحوا إلى الامبراطورية العثمانية أثناء طرد اليهود الجماعي من إسبانيا في عام 1492، ولأم بورجوازية صغيرة يهودية ولدت في أوديسا، الميناء الأوكراني الواقع على البحر الأسود، هي صوفي بيرليافسكي، التي عاصرت المذابح المعادية لليهود في أوكرانيا خلال العهد القيصري.
وقد حصل أحمد صادق سعد على تعليمه قبل الجامعي في مدارس فرنسية في مصر ثم تخرج من كلية الهندسة في أوائل الأربعينيات.
وكانت اللغة الفرنسية – حتى تخرجه – هي اللغة الرئيسية التي يتحدث ويقرأ بها. إلا أنه سرعان ما تمكن - في وقت قياسي – من تعلم اللغة العربية والكتابة بها، خلافاً لكثيرين من أقرانه من المثقفين اليهود ذوي الأصول الأجنبية. وهو ما يدل على أن أحمد صادق سعد كان قد قرر – منذ وقت مبكر – البقاء في مصر وربط مصيره بمصير البلد الذي ولد ونشأ فيه.
وقد ارتبط أحمد صادق سعد في صدر شبابه – خاصة عشية الإبادة الهتلرية لليهود في ألمانيا – بعدد من الحركات الشبابية اليهودية المناهضة لمعاداة السامية، مؤكداً بذلك تحرره التام من مؤثرات الصهيونية التي اعتبرت مناهضة معاداة السامية عملاً عبثياً ورأت حل المسألة اليهودية في تجميع يهود الشتات في فلسطين. ويبدو أنه كان يدرك إدراكاً جيداً أن الصهيونية لا تبدأ إلا مع الكف عن النضال ضد معاداة السامية واليأس من إمكانية تطبيع الحياة اليهودية داخل المجتمعات التي يحيا اليهود فيها.
وعندما قرر عدد من المثقفين اليهود الأجانب الرحيل عن مصر إلى فلسطين – ولو مؤقتاً – إثر اقتراب قوات المحور من مصر في عام 1942، قرر أحمد صادق سعد البقاء في مصر. وكان قادراً على إدراك أنه إذا ما قدر لهذه القوات احتلال مصر، فلن يكون هناك ما يحول دون اجتياحها فلسطين. وتنظيم مذبحة جماعية لليهود هناك. ولذا فقد رأى أن الخيار الوحيد المناسب هو الصمود والمقاومة لا الفرار.
وقد ارتبط أحمد صادق سعد في أواخر الثلاثينيات بـ "الرابطة السلمية" التي كان الشيوعي السويسري المعروف بول جاكو ديكومب قد أسسها في مصر إثر مؤتمر أمستردام, إلا أن الرابطة سرعان ما حلت نفسها إثر نشوب الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939.
وغداة حل "الرابطة السلمية"، شارك أحمد صادق سعد في تكوين "جماعة البحوث"، والتي ركزت على إعداد دراسات عن الواقع الاجتماعي المصري المعاصر وعن تاريخ الحركة القومية المصرية.
وفي عام 1941، شارك أحمد صادق سعد في تأسيس "لجنة نشر الثقافة الحديثة" التي ترأسها سعيد خيال، والتي نظمت عدداً من الندوات التي كان يتردد عليها مثقفون يساريون من مختلف الميول.
وفي عام 1942، شارك في تأسيس "جماعة الشباب للثقافة الشعبية" التي مارست النشاط – حتى عام 1945 – بين صفوف العمال في منطقة السبتية بالقاهرة وبين صفوف الفلاحين في منطقة ميت عقبة بالجيزة. وقد حلت هذه الجماعة نفسها في عام 1945 لتحل محلها "لجنة العمال للتحرر القومي – الهيئة التأسيسية للطبقة العاملة" والتي تولت إصدار مجلة "الضمير".
وفي عام 1945، نشر أحمد صادق سعد كراس "مشكلة الفلاح". وقد دعا هذا الكراس إلى تحديد حد أقصى لملكية الأرض الزراعية لا يزيد عن خمسين فداناً، وإلى مصادرة الأراضي التي تزيد عن هذا الحد وتوزيعها على الفلاحين المعدمين وإلى إنشاء تعاونيات زراعية إنتاجية. وقد ربط الكراس إجراء هذه التحولات بتحول جذري في الهيكل الاجتماعي – الاقتصادي للبلاد.
وترى الباحثة السوفييتية إيفانوفا أن كراس "مشكلة الفلاح" هو أول معالجة ماركسية للمسألة الزراعية في مصر. وفي عام 1945، شارك أحمد صادق سعد في إصدار مجلة "الفجر الجديد" وأسهم بالكتابة فيها – بتوقيع "أحمد سعيد" أو "نهاد" – حتى إغلاقها في يوليو 1946 ضمن إطار الحملة المعادية للشيوعية التي شنها إسماعيل صدقي.
وفي عام 1976، أعاد أحمد صادق سعد نشر هذه الإسهامات الصحفية تحت عنوان "صفحات من اليسار المصري" صدَّرَها بتناول انتقادي لتجربة الحركة الشيوعية المصرية.
وفي عام 1946، شارك أحمد صادق سعد في تأسيس منظمة "الطليعة الشعبية للتحرر"، وتولى قيادة هذه المنظمة حتى منتصف عام 1948. وقد غيرت هذه المنظمة اسمها في عام 1951 إلى "طليعة العمال" ثم في عام 1957 إلى "حزب العمال والفلاحين الشيوعي المصري". وعند توحيد الحركة الشيوعية المصرية في عام 1958، جرى استبعاد أحمد صادق سعد من الأجهزة القيادية للحزب الجديد، كجزء من سياسة "تمصيرية" عامة لهذه الأجهزة.
وفي عام 1946، نشر أحمد صادق سعد كتاب "فلسطين بين مخالب الاستعمار"، وهو ثاني كتاب يساري يصدر باللغة العربية في مصر عن الصهيونية، حيث كان أنور كامل قد نشر قبل ذلك بعامين كتاب "الصهيونية". وقد استفاد أحمد صادق سعد في فهم المسألة اليهودية ومضاعفاتها من كتاب أوتو هيلر: "اضمحلال اليهودية"، الذي كان قد صدر بالألمانية في فيينا في عام 1931 والذي اطلع عليه أحمد صادق في ترجمته الفرنسية الصادرة في باريس في عام 1939. وقد تعرض أحمد صادق للاعتقال في عام 1946 ثم في عام 1948.
وعند صدور قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947، عارض أحمد صادق سعد القرار على صفحات نشرة "الهدف" الشيوعية السرية، إلا أنه اضطر إلى التراجع عن هذه المعارضة إثر انتهاء حرب فلسطين، مسايراً بذلك الخط السوفييتي الرسمي تجاه المسألة الفلسطينية.
وعندما بلغت الحملة المعادية للشيوعية ذروتها في عام 1959، تعرض أحمد صادق سعد للاعتقال وظل معتقلاً حتى عام 1964 (1).
وبعد حل المنظمات الشيوعية لنفسها، انصرف أحمد صادق سعد إلى البحث والكتابة وإلى إعادة النظر في تجربة الحركة التي كان أحد مؤسسيها. وتولى في الوقت نفسه مسؤولية إدارة المشروعات بشركات الدلتا الصناعية (إيديال).
وفي عام 1979، نشر أحمد صادق سعد كتابه الرئيسي: "تاريخ مصر الاجتماعي – الاقتصادي"، الذي حاول أن يقدم فيه رؤية جديدة للتاريخ المصري تستند إلى أطروحة ماركس المعروفة عن "النمط الآسيوي للإنتاج"، والتي كانت قد لقيت رواجاً بين صفوف عدد من الباحثين الماركسيين الفرنسيين خلال الستينيات.
وتعتبر محاولة أحمد صادق سعد المحاولة الثانية بعد محاولة إبراهيم عامر في كتابه "الأرض والفلاح" (1957) لتناول تاريخ مصر الاجتماعي – الاقتصادي تناولاً غير تقليدي.
وقد دلت هذه المحاولة من جانب أحمد صادق سعد على نفورة المتزايد من الأطروحة الستالينية عن "مراحل التطور الخمس الضرورية" والتي كان هو نفسه قد ساعد على ترويجها من قبل.
وقد اتبع أحمد صادق سعد هذا الكتاب الرئيسي بعدد من الكتب والدراسات والمقالات التي تشهد كلها على التوتر الذي أخذ يتزايد احتداداً في تفكيره بين العقائد الستالينية الجامدة ونتائج البحث الماركسي الجديد في تاريخ وحاضر العالم الثالث، خاصة مصر والعالم الإسلامي.
* * *
لقد مات أحمد صادق سعد وهو في غمار البحث الدؤوب عن إجابات عن الأسئلة التي تؤرق بال الكثيرين من المثقفين اليساريين المصريين على عتبات القرن الحادي والعشرين بعد أن تكشف لهم أن الجمود الفكري لا يمكن أن يكون مدخلاً إلى تحقيق مجتمع يكون فيه "التطور الحر لكل فرد هو شرط التطور الحر للجميع"، حسب كلمات "البيان الشيوعي". ولا عزاء للمتخشيبين!
مجلة "أدب ونقد"، القاهرة، فبراير 1989
__________
(1) خلال سنوات الاعتقال الطوال، أبدت السيدة دينه حموي منشه، زوجته، الكورسيكية الأصل، صموداً لا يقل عن صمود زوجات الديسمبريين الروس في المنفى السيبيري، وتولت رعاية صغارهما وسط ظروف شديدة القسوة. فتحية لبسالتها ولبسالة كل النساء اللاتي صمدن خلال المحنة. إنهن جديرات بقصيدة من طراز قصيدة نيكراسوف الشهيرة "نساء روسيات"!.
ستالين (الأستاذ)

هنري كورييل (التلميذ)
انبثقت الحركة الشيوعية المصرية إلى الوجود تحت تأثير الغليان الثوري الذي اجتاح العالم شرقاً وغرباً بعد ثورة أكتوبر 1917 في روسيا. وعلى مدار تاريخ الحركة، عبرت مصائرها عن مصائر تلك الثورة. ويتجلى ذلك عبر ثلاث مراحل رئيسية متمايزة.
المرحلة الأولى من علم 1918 إلى عام 1924
شهدت تلك المرحلة ظهور الحلقات الشيوعية الأولى في عدد من مدن مصر الكوزموبوليتية بشكل رئيسي (الإسكندرية، القاهرة، بورسعيد، ...إلخ)، حيث تدافع مثقفون وعمال متقدمون، بينهم نسبة مهمة من الأجانب، إلى تشكيل الحلقات الشيوعية التي تحولت فيما بعد إلى الحزب الشيوعي المصري الأول عبر مسيرة معقدة – وإن كانت قصيرة نسبياً – من الاتحاد مع الإصلاحيين السافرين.
وفي تلك المرحلة، أظهر الحزب الشيوعي المصري الأول تعاطفاً كبيراً مع الثورة البلشفية، وهو تعاطف لم يتحول إلى تمثل عميق لمبادئ الماركسية الثورية أو لخبرة الحزب البلشفي، إذ ظل جانب كبير من كوادر الحزب تحت الهيمنة الفكرية لسنديكالية سوريل ولاجارديل أو لتضامنية نوردو أو لإنسانوية جماعة كلارتيه الفرنسية البورجوازية الصغيرة أو للكوزموبوليتية الماسونية. ولا تدل كتابات الكوادر القيادية للحزب على أنها قد تعلمت شيئاً يذكر من انتقادات قادة الثورة البلشفية لمثل هذه التيارات التي كانت متفشية في صفوف اليسار الفرنسي. وهناك شك أصلاً في أن تكون هذه الكوادر قد اطلعت على هذه الانتقادات.
وعندما نزل القمع البوليسي بهذه الكوادر في عام 1924، تبعثر شمل الحزب الفتي قبل أن تتسنى له فرصة تمثل مبادئ الماركسية الثورية وتحويل تعاطفاته مع مثل الثورة البلشفية إلى اتجاه فكري – سياسي محدد الملامح، وذلك على الرغم من موافقة الحزب – الصورية إلى حد بعيد – على الشروط الـ 21 للالتحاق بالأممية الشيوعية.
وقد ترافق تشتيت شمل الحزب في عام 1924 مع تراجع الحركة العمالية الثورية في الغرب ومع تحييد نفوذ المعارضة اليسارية اللينينية في صفوف الحزب الشيوعي السوفييتي والأممية الشيوعية وتزايد هيمنة الستالينية واستراتيجيتها اليمينية داخل صفوف الحركة الشيوعية العالمية على حساب الماركسية الثورية.
ولم تخلف لنا أدبيات ووثائق الحزب الشيوعي المصري خلال تلك الفترة شيئاً يدل على أن كوادر الحزب كانت على دراية حقيقية بالنزاع الذي نشب منذ عام 1923 داخل صفوف الحزب الشيوعي السوفييتي والأممية الشيوعية بين الستالينية والمعارضة اليسارية حول مسائل تطور الاتحاد السوفييتي والثورة العالمية أو أنها كانت على دراية بالمستوى الذي وصل إليه الانحطاط البيروقراطي للدولة وللحزب في الاتحاد السوفييتي أو بالمغزى الرجعي المضاد للثورة لاستراتيجية ستالين – بوخارين القومية المستترة منذ أكتوبر 1924 تحت ستار بناء الاشتراكية في بلد واحد.
ويمكن تصور أن هذه التطورات الكبرى قد حدثت دون أن تجد صدى يذكر في صفوف الشيوعيين المصريين الذين يبدو أنهم كانوا غارقين بالكامل في المشاكل القومية لحركتهم ومفتقرين لأية منظورات أممية.
المرحلة الثانية من عام 1925 إلى عام 1989
شهدت تلك المرحلة إعادة بناء الحزب الشيوعي المصري في عام 1925 بمبادرة مباشرة من جانب الكومنترن الستاليني وإخضاع الحزب لتسلط الستالينية الفكري والسياسي والتنظيمي. وإذا كان القمع البوليسي الذي نزل بالحزب في عام 1924 قد أجهز على الكوادر القيادية التي ظهرت بين عامي 1918 و1924، فإن ذلك القمع قد ساعد على تسهيل الهيمنة الستالينية على عملية إعادة بناء الحزب، حيث أن الكوادر التي كان يمكن لها أن تدخل، ولو على المدى البعيد، في صدام مع الستالينية حول هذه القضية أو تلك، كانت قد اختفت من مسرح النشاط السياسي.
ومنذ أواسط العشرينيات، جرى إرغام الحزب الشيوعي المصري على تبني السياسيات التي حاولت الستالينية تطبيقها في البلدان المستعمرة وشيه المستعمرة، خاصة الصين، والتي أدت، في عام 1927، إلى هزيمة الثورة الصينية الثانية.
وهكذا، ففي 6 إبريل 1925، أجاز الاجتماع الموسع الخامس للجنة التنفيذية للأممية الشيوعية قراراً عن الموقف السياسي في الهند وإندونيسيا ومصر، دعا الشيوعيين الهنود إلى مواصلة العمل داخل حزب المؤتمر الهندي البورجوازي ودعا الشيوعيين الإندونيسيين إلى حشد الجماهير العريضة خلف حزب ساريكات راكجات وحدد للشيوعيين المصريين هدف العمل من أجل تأسيس حلف موحد مع حزب الوفد الذي أشار إليه القرار بوصفه حزباً قومياً – ثورياً!
يجب أن نتذكر أن هذا الحزب (القومي – الثوري) لم يبد أية مقاومة تجاه حل البرلمان – ذي الأغلبية الوفدية – المنتخب في أوائل عام 1925، والذي تآمر الملك فؤاد الأول مع الإنجليز على تسريحه بعد عشر ساعات فقط من انعقاده!
والحال أن هذا القرار الذي يتعارض على طول الخط مع توجهات المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية (1920) تجاه المسألة القومية والكولونيالية، كان تعبيراً عن سيادة الاستراتيجية المنشفية – الستالينية عن ثورة على مرحلتين: ثورة ديموقراطية بورجوازية من خلال تحالف استراتيجي مع الأحزاب القومية البورجوازية الإصلاحية، ثم ثورة اشتراكية تحدث في مستقبل بعيد.
وغداة وفاة سعد زغلول في عام 1927، أشار الكومنترن الستاليني، في مرثية للزعيم الراحل، إلى أن الموقف والتناقضات في مصر تجعل ديكتاتورية البروليتاريا مدخلاً غير واقعي للتعامل مع مهام الثورة القومية – الديموقراطية، وكأن هذه المهام يمكن أن تنجز من خلال ديكتاتورية ديموقراطية بورجوازية، وهو أمر كان لينين قد استبعده في أبريل 1917 بالنسبة لروسيا ثم أكد على استحالته بوجه عام، في 12 يناير 1918، حيث قال إنه لا يمكن تصور أية ثورة ديموقراطية بشكل منسجم دون ديكتاتورية البروليتاريا.
وخلال فترة الأزمة الاقتصادية – العالمية (1929-1933)، تحولت توجهات الكومنترن الستاليني إلى المغامرة اليسارية، إلى استراتيجية رعناء بشأن ما سمي بالفترة الثالثة التي تجعل شعار دكتاتورية البروليتاريا مدرجًا بشكل فوري – عملي في جدول أعمال جميع الأحزاب الشيوعية، مع نبذ شعار الجبهة العمالية المتحدة واعتبار الاشتراكية – الديموقراطية اشتراكية – فاشية. وقد أدت هذه الاستراتيجية المغامرة إلى تسهيل وصول هتلر إلى الحكم في ألمانيا، أما في مصر فقد أدت إلى ابتعاد الشيوعيين المصريين – المهمشين بما يكفي بالفعل – عن المشاركة في أحداث مايو 1931 الثورية، ثم تخلفوا عن قيادة أي إضراب عمالي خلال الثلاثينيات.
ومع تحول الكومنترن الستاليني إلى اليمين بعد عام 1933- في اتجاه الجبهات الشعبية والجبهات الوطنية – جرى إبلاغ الشيوعيين المصريين مرة أخرى بجوب التحالف مع حزب الوفد. وفي 26 فبراير 1936، دعت أمانة اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية الشيوعيين المصريين المبعثرين إلى تأييد حزب الوفد، وذلك قبل ستة أشهر فقط من توقيع زعيم الحزب المذكور على المعاهدة الأنجلو – مصرية!
وإذا كانت صفحة العلاقات التنظيمية بين الشيوعيين المصريين والكومنترن الستاليني قد انطوت بعد فبراير 1936 أو بعد ذلك التاريخ بوقت قصير، وإذا كان الشيوعيون المصريون قد أبدوا في عدد من المناسبات أشكالاً جزئية من عدم التجاوب مع توجهات الكومنترن، إلا أن هيمنة الستالينية على أغلب فصائل الحركة الشيوعية المصرية في ميلادها الثاني قد بقيت – بل وتعززت – على المستويين الفكري والسياسي.
وسرعان ما تبدت هذه الهيمنة منذ بدايات الميلاد الثاني. ففي فترة معاهدة عام 1939 بين الاتحاد السوفييتي وألمانيا النازية، سكتت العناصر الستالينية عن توجيه النقد إلى الفاشية وقوبل معارضو المعاهدة المذكورة من السورياليين والماركسيين المؤسسين لجماعة (الفن والحرية) بالتنديد من جانب هذه العناصر. وتعرض أحد نقاد المعاهدة الماركسيين ( لطف الله سليمان ) لردود فعل غوغائية من جانب العناصر الستالينية المحتشدة في النادي الديموقراطي.
وفي فترة الحرب العالمية الثانية، خاصة بعد يونيو 1941، تبنى الستالينيون المصريون أكذوبة الحرب من أجل الديموقراطية ولم يميزوا بين حرب الاتحاد السوفييتي المشروعة ضد الغزو النازي والطابع الرجعي العام للحرب بين مختلف القوى الإمبريالية. وفي هذا السياق، قوبلت دعايتهم المضللة بالتحبيذ من جانب البريطانيين والقوى السياسية البورجوازية المصرية المتحالفة معهم، وتخلى الستالينيون المصريون عن مساعدة الحركة الجماهيرية القومية العفوية المناوئة للاستعمار البريطاني على اتخاذ التوجهات المناسبة. ومن الناحية العملية، فإن أغلب فصائل الحركة الشيوعية المصرية قد أجلت الكفاح المعادي للإنجليز إلى أواخر الحرب، استرشادًا بالاستراتيجية الستالينية خلال فترة الحرب العالمية الثانية والتي مالت إلى اعتبار الحركات القومية – التحررية في المستعمرات وأشباه المستعمرات الإنجليزية حركات مخربة للمجهود الحربي للحلفاء!
وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية واشتد ساعد الحركة القومية – التحررية المصرية حرصت الفصائل الستالينية على التمسك باستراتيجية ستالين المنشفية عن ثورة على مرحلتين، تورطت في مختلف التحالفات مع القوى السياسية البورجوازية والبورجوازية الصغيرة القومية على أساس منظورات بورجوازية قومية.
وعندما تفجرت المسألة الفلسطينية في 1947 – 1948، بررت أغلب هذه الفصائل مواقف البيروقراطية السوفييتية تجاه النزاع في فلسطين، كما بررت اعتراف الأخيرة بالدولة الصهيونية، الأمر الذي وجه ضربة قاسية إلى مجمل اليسار.
واعتباراً من مؤتمر باندونج وعقد صفقة الأسلحة المصرية – التشيكية في عام 1955، انخرطت فصائل الحركة الستالينية المصرية في مسيرة سياسية معقدة جرتها إلى السير في ذيل الناصرية ثم، في نهاية الأمر، إلى حل هياكلها التنظيمية والاندراج في مهمة تحقيق هيمنة الناصرية الإيديولوجية والسياسية باسم الدفاع عن التطور اللارأسمالي الذي روج له الإيديولوجيون السوفييت.
وعلى مدار الفترة الممتدة من عام 1925 إلى 1965، دافعت أغلب فصائل الحركة الشيوعية المصرية عن التسلط البيروقراطي داخل الاتحاد السوفييتي وصورت تجربة روسيا الستالينية في صورة الاشتراكية وطابقت بين دكتاتورية البيروقراطية ودكتاتورية البروليتاريا وشجبت المعارضة اليسارية في الاتحاد السوفييتي واندرجت في كورس الافتراءات الستالينية ضد البلاشفة الذين أعدموا خلال الثلاثينيات وشجبت الانتفاضات العمالية المضادة للبيروقراطية في ألمانيا الشرقية في عام 1953 وفي بولندا والمجر في عام 1956 بوصفها حركات مضادة للثورة، وبررت التدابير القمعية التي اتخذتها البيروقراطية الستالينية ضد تلك الانتفاضات، ومن هذه الزاوية، ساعدت على تزييف وعي الجماهير.
ومع الميلاد الثالث للحركة الشيوعية المصرية، وعلى الرغم من درجات الاستقلال الذي أبدته فصائل داخل هذه الحركة تجاه البيروقراطية السوفييتية، فإن الفصائل الرئيسية داخل هذه الحركة لم تعلن قط القطيعة مع الستالينية ولم تتحول إلى مواقع الماركسية الثورية ودافعت في أكثر من مناسبة عن سياسيات غادرة عديدة للبيروقراطية السوفييتية ولم تثر الشك ولو مرة واحدة في "اشتراكية" النموذج البيروقراطي.
المرحلة الثالثة من عام 1989
بدأت هذه المرحلة مع تفجر أزمة النموذج البيروقراطي في الاتحاد السوفييتي ومع السقوط المتسارع للدكتاتوريات الستالينية في عدد من دول أوروبا الشرقية.
وحيث أن الستالينيين المصريين لم يكونوا مسلحين بأية أفكار ماركسية عن أزمة الدول المتدهورة بيروقراطياً، فإن هذه المرحلة تعتبر مرحلة صدمة مريرة ذات مقاييس جسيمة.
إن مانشهده الآن بين صفوفهم هو تعبيرات مختلفة عن وصول أزمة الستالينية المصرية إلى ذروتها.
وأول ما نشهده، هو تلك القراءة الزائقة لمجمل تاريخ الماركسية ومصائر ثورة أكتوبر والحركة العمالية العالمية والرأسمالية المعاصرة.
فهناك من يتحدث الآن بشكل سافر عن فوات أوان الماركسية وعن يوتوبية التوقعات الماركسية عن مجتمع المستقبل. وهناك من يتحدث عن قدرات الرأسمالية غير المحدودة على البقاء وعلى توفير الحريات السياسية والحقوق الإنسانية ومستويات معيشية عالية بالنسبة لغالبية السكان.
وهناك من يردد مع جورباتشوف أن البيروسترويكا ليست غير تجديد للاشتراكية، وهناك من يعلن أن ثورة أكتوبر كانت تمرداً إرادياً مغامراً على قوانين التطور الاجتماعي، وهناك من يحاول اختلاق تحليل "ماركسي" لأزمة الدول المتدهورة بيروقراطياً منفصل عن مجمل التراث الماركسي الناقد للديكتاتورية البيروقراطية ومعارض لاستنتاجاته الاستراتيجية والبرنامجية، إلخ.
والحال أن كل هذه المواقف والرؤى ليست أقل من عجز كامل عن استيعاب مغزى الانقلابات الاجتماعية والسياسية الكبرى المعاصرة، وهو عجز ناشيء عن افتقار الستالينيين المصريين المزمن إلى بوصلة الماركسية الثورية التي حرمتهم من الاهتداء بها تصالحاتهم الجوهرية مع الأمر الواقع والتي جرتهم إلى التكيف مع إيديولوجية وسياسات البيروقراطية السوفييتية.
ومن المؤكد أن الجورباتشوفية لن تكون مخرجاً من الأزمة.
يناير 1991
بشير السباعي
أما وأن الدكتور غالي شكري قد صدق الحكمة الرائجة التي تتحدث عن "نهاية الماركسية" فسوف يكون من العبث أن ندعوه إلى تذكر أن جان جاك روسو (1712-1778) وماكسميليان روبسبيير (1758-1794) لا يتحملان المسئولية عن الهذيان المهدوي الذي دفع بونابرت (1769-1821) إلى الادعاء أمام مشايخ الأزهر أنه الرسول الذي جاء ليتمم رسالة نبي الإسلام، ولا إلى تذكر أن "البيان الشيوعي" قد كتب في عشية ثورة 1848 وليس في عشية التاسع من ثيرميدور من العام السادس لثورة أكتوبر!
لكن من الواضح، على أية حال، أن فيلسوف العقد الاجتماعي ليس هو الأب الشرعي لانقلاب برومير (نوفمبر 1799) ولا لإعلان الامبراطورية من جانب الكورسيكي الذي كان، يوماً ما، تلميذاً لروسو وجندياً من جنود الثورة والجمهورية. كما أن من الواضح، بالمثل، أن ماركس (1818-1883)، الذي كتب "مساهمة في نقد فلسفة الحق الهيجيلية"، ليس هو الأب الشرعي للبيروقراطية الستالينية التي أنجبها، بين عوامل أخرى، تخلف روسيا وتراجع الثورة الأوروبية.
والحال أن الفيلسوف الألماني للثورة العالمية كان قد كتب في عام 1843 ما يلي: "إن شكلانية الدولة، وهي ما تمثله البيروقراطية، هي الدولة بوصفها شكلانية. وقد وصفها هيجل بأنها شكلانية كهذه بالتحديد. ولأن شكلانية الدولة هذه تصوغ نفسها بوصفها سلطة واقعية وتصبح هي نفسها محتوى نفسها المادي، فمن الواضح أن البيروقراطية غشاء لوهم عملي، أو أنها وهم الدولة. إن العقل البيروقراطي هو عقل يسوعي و لاهوتي حتى النخاع. والبيروقراطيون هم يسوعيو ولاهوتيو الدولة. والبيروقراطية هي الجمهورية الكاهن".
ومن الصعب على المرء ألاَّ يتذكر هذه الفقرة عند قراءة مقال الدكتور غالي شكري المنشور في عدد يونيو 1993 من مجلة "القاهرة"، حيث يتحدث الكاتب، دون تردد، عن "كهنة الماركسية وأحبارها من جدانوف إلى سوسلوف"، بدلاً من أن يعترف بالواقع التاريخي والذي يتمثل في أن هؤلاء كانوا مجرد ديماجوجيين كرسوا لاهوتهم الستاليني البائس للدفاع عن الامتيازات الواقعية للبيروقراطية التي ينتمون إليها وليس للدفاع عن "طهارة" الماركسية، التي يعرف كل مثقف نزيه أنها قد تعرضت لأسوأ كبت عرفه التاريخ المعاصر على أيدي مثل هؤلاء الديماجوجيين بالتحديد.
وتستوقف القارئ أحكام وإشارات مثيرة أخرى:
* مثلاً، ليس صحيحاً بالمرة أن جوركي (1868-1936) كان من "كبار المؤمنين" بالماركسية أو باللينينية. فبعد هزيمة الثورة الروسية الأولى (1905-1907)، تحالف مع الكاتب المعروف أناتولي لوناتشارسكي (1875-1933) الذي راح يدعو إلى تحويل الاشتراكية إلى دين للفقراء وفكر جدياً في ابتداع شعائر لهذا الدين، وهو تحالف قاد إلى خلاف عميق بين الأديب الروسي ولينين (1870-1924) الذي لم يتسامح مع استسلام الرجل لتيار التصوف الذي استولى على شرائح من الإنتلجنتسيا الروسية في سنوات الرجعية (1908-1912) والذي أنتج رواية جوركي، "الاعتراف". ثم إن رحيل جوركي عن روسيا في عام 1921 لم يكن بسبب استياء الأديب الروسي من تحويل مزعوم للماركسية إلى عقيدة للدولة وللمجتمع (في ذلك الوقت، لم يُشر إلى الماركسية في دستور الحزب نفسه!) بل كان بسبب رغبته المستحيلة في أن يرى ثورة دون "اضطراب" ودون حرب أهلية ودون مساس بعدد من المثقفين حتى لو كانوا من جنود الثورة المضادة الفاعلين، وهو ما أزعج لينين كثيراً ودفعه إلى تسهيل رحيل جوركي إلى الخارج حيث راح يصب اللعنات على الثورة بلا حساب. وعندما عاد الأخير إلى روسيا بصفة دائمة في عام 1931، ارتاح إلى صيغ الستالينية القومية، واستسلم لوهم أن ازدهار "الثقافة" يمكن أن يسير يداً بيد مع "الاستبداد المستنير" وهو استسلام عرفت الانتلجنتسيا المصرية مثيلاً له خلال العهد الناصري! (1).
* ومثلاً، ليس صحيحاً أن تروتسكي (1879-1940) قد "اختار المنفى البعيد ولكنهم طاردوه حتى طالوه برصاصة واحده"، فقد نفى الرجل مجبراً إلى تركيا في عام 1929، ثم جُرد من جنسيته السوفييتية، وفي نهاية الأمر، لم يجد ملاذاً إلا في المكسيك في زمن تأميم مصالح النفط الأمريكية حيث طالوه – بالمناسبة – بضربة بلطة وليس برصاصة! (من المثير أن الناقد الأدبي المعروف لا يعرف سيرة – ناهيك عن أفكار – الرجل الذي لم يفت ت. س. إليوت ولا إيدموند ويلسون الإشادة بإسهاماته في مجال النقد الأدبي، والذي ترك لنا كتابات جد مهمة عن الأدب الروسي وعن الأدب الفرنسي..).
* ومثلاً، ليس صحيحاً بالمرة أن "خروشوف كان أول من فضح المكبوت فزعزع أركان الستالينية" إذ لا يمكن المماراة في أن تروتسكي، صاحب "مدرسة التزييف الستالينية" (1932) وصاحب "الثورة المغدورة" (1937)، كان هو ورفاقه أول من فضح المكبوت، وقد فعلوا ذلك من منظور ماركسي وبشكل منهجي، وليس بشكل غوغائي ومن منظور الدفاع عن المصالح الإجمالية للبيروقراطية، كما فعل خروشوف، شريك ستالين (1879-1953) في جرائمه منذ الثلاثينيات!
والحال أن الدكتور غالي شكري يدين اللاهوت الذي يحكم من غير قراءة أوراق المحكوم عليه، إلا أنه لا يبدو أنه قد نجا هو نفسه من مثل هذه الممارسة، فقد غابت عنه أوراق الماركسية وأوراق الثورة الروسية، وأصدر حكماً هو أكثر بلاغة في تصوير تحيزات "القاضي".
1993
---------------
(1) حول جوركي ولوناتشارسكي، ارجع إلى :ليون تروتسكي: بورتريهات سياسية وشخصية، نيويورك، 1977 (بالإنجليزية).
باجرات سيرانيان
ترجمه عن الروسية بشير السباعي

عشية الحرب العالمية الثانية، بدأت الجمعيات والجماعات القومية الإسلامية من النوع الشمولي – الاستبدادي تلعب دوراً هاماً ومتزايداً باطراد في الساحة السياسية المصرية. وفي فترة فرض ديكتاتورية أوساط السراي وبفضل دعم قادتها على وجه التحديد نالت هذه القوى حق المواطنة في الحياة الاجتماعية للبلاد.
وكانت جماعة علي ماهر، التي يدعمها الملك، ذات دائرة ضيقة جداً من الأنصار. وقد رأى ماهر في المنظمات القومية الإسلامية تلك القوة التي يمكن أن تكفل له دعماً جماهيرياً أكبر، وكان أول رئيس وزراء مصري يقدر عن جدارة دورها ومكانها في الحياة الاجتماعية للبلاد، وروحها الإسلامية الكفاحية، وقدرتها على التأثير على الجماهير الشعبية.
إلا أنه من الخطأ تفسير سبب ظهور الجماعات الإسلامية – القومية بمجرد الدوافع الذاتية الخالصة. فتحول المنظمات الاستبدادية – الإسلامية إلى قوة يحسب حسابها قد نشأ عن مجموعة كاملة من العوامل الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية.
إن ثمار تطور مصر الاقتصادي في العشرينيات والثلاثينيات قد جناها بشكل رئيسي الأوروبيون والمشارقة، الذين كانوا يسيطرون على الاقتصاد. أما المعدلات العالية نسبياً للتحضر فلم يواكبها تحسن ملحوظ في الوضع الاقتصادي لشغيلة المدن، مما ولد السخط العميق على الطبقات السائدة. كما أن عدم فعالية الديموقراطية البرلمانية من النمط الغربي، والتي فرضت على مصر، كان له أهمية غير قليلة. فالنظام الحزبي – البرلماني الغربي في شكله الكاريكاتوري، الذي وجد به في مصر، كان من البداية جسماً غريباً فيها.
كما نشأت عن الأزمة العميقة للنظام الحزبي – البرلماني خيبة أمل قوية لدى الجماهير الشعبية تجاه الأحزاب السياسية، خاصة حزب الوفد.
لقد انغمس الوفد وأحزاب "الأقلية" في صراع أناني وحقير على المقاعد البرلمانية والمناصب الوزارية، وعلى الامتيازات والفوائد الاقتصادية، وعجزت بصورة مطلقة عن حل المهمات القومية الرئيسية. فنشأت وما انفكت تتسع هوة تفصل الأحزاب السياسية عن الطبقات الكادحة وأخذت تشغل الفراغ السياسي الناشيء جماعات إسلامية – قومية، وبعد بضع سنوات - جنباً إلى جنب معها – جماعات ماركسية وشيوعية ومنظمات ديموقراطية يسارية أخرى.
ولم يكن هناك مفر من سقوط البرلمانية الغربية. وجنباً إلى جنب مع إفلاس قوميي "الحرس القديم"، الذين كانوا يجسدون الاتجاه الغربي في القومية المصرية، فقدت مذاهبهم أيضاً أهميتها.
وفي أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات انتعش في مصر الاهتمام بالإسلام، خاصة فيما يتعلق بتطبيق مبادئه في حل المسائل السياسية الملحة. ومن المعروف أن التيار الإسلامي في القومية المصرية لم ينقطع قط (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا)، على أن أنصار الغرب قد سيطروا في الحياة السياسية حتى 1936 – 1937. إن السعي إلى إعادة النظر في القومية المصرية الخالصة وإلى توسيعها (ذاتياً) في نزعة قومية عربية قد دفع أيديولوجيي التوحيد العربي إلى التوجه إلى عقيدة الإسلام، وإلى تقاليده الثقافية (مع إعطاء أهمية خاصة للغة العربية)، أي إلى كل ما من شأنه تأكيد وتعزيز أفكارهم. لكن ذلك وحده لم يكن كافياً. إن تبدد الآمال المعلقة على معاهدة 1936 قد أدى إلى نمو سريع للميول المعادية للغرب في مصر، وعزز النضال ضد النفوذ الأوروبي في كل مجالات الحياة الاجتماعية. ويشير هيوارث - ديون إلى أن "الجماعات الإسلامية قد تميزت بميل إلى التغلغل والنجاح في تلك البلدان التي توجد فيها ميول قوية معادية للغرب".
والحال أن أزمة الديموقراطية البورجوازية والاتجاه الغربي المواكب لها في القومية المصرية قد ساعدت على النمو السريع للجماعات الإسلامية، التي مثلت التيار المعادي للغرب والتوحيدي الإسلامي والتوحيدي العربي في القومية المصرية.
* * *
ومن بين كل المنظمات القومية الإسلامية كان النفوذ الأوسع من نصيب جمعية الإخوان المسلمين، التي تأسست في أبريل 1929 على يد الشيخ المدرس حسن البنا في الإسماعيلية.
وقد اهتمت الجمعية في المرحلة الأولى (1929 – 1936) بالنشاط الديني والخيري أساساً. وفي عام 1934 انتقل مركز الجمعية إلى القاهرة. وبحلول عام 1936، كانت قد تحولت إلى منظمة سياسية – دينية قوية.
وقد أجاد البنا استغلال التوترات التي حدثت في فلسطين، والتي تحولت فيما بعد إلى انتفاضة من جانب العرب الفلسطينيين في 1937 – 1939، من أجل تدعيم المنظمة. فقد نظمت الجمعية حملة تضامن إسلامي واسعة معادية للبريطانيين ودفاعاً عن العرب الفلسطينيين. ومن خلال فروعها في مختلف أجزاء البلاد قامت بجمع التبرعات من أجل العرب الفلسطينيين ولقي نشاط الجمعية وقائدها تقديراً حماسياً من جانب مفتي القدس القوي الحاج أمين الحسيني، الذي أقام معه البنا صلات وثيقة ومتميزة بالثقة.
ومنذ ذلك الحين (وحتى عام 1940) توافرت ظروف مناسبة جداً للنمو التالي للمنظمة. واجتذب البنا انتباه على ماهر وعبد الرحمن عزام. وقد عملا بكل الوسائل على اجتذاب الإخوان المسلمين إدراكاً منهما للإمكانيات الضخمة التي تحتويها منظمة إسلامية كفاحية جيدة التنظيم في ظروف مصر. وتشهد المعطيات التالية على النمو الملحوظ للجمعية: فإذا كانت فروعها في عام 1934 قد وصلت إلى 50 فرعاً في مختلف أجزاء البلاد، فإن عددها وصل في عام 1939 إلى 500 فرع.
وفي عام 1937، كانت الجمعية قد تميزت بصورة ملحوظة من بين الجماعات الإسلامية – القومية الأخرى المنافسة لها وكسبت الصدارة بينها: لقد تحولت إلى منظمة جماهيرية ذات هيكل راسخ ومستقر، وعلى رأسها زعيم بارز. وبفضل الصلات الوثيقة بين علي ماهر والبلاط، حصل البنا منهما على مساعدة مالية وتمتع بحماية البوليس. وكانت له صلات مع صالح حرب وعبد الرحمن عزام وعزيز المصري الذين كانوا يريدون استخدام كل التجمعات الإسلامية – القومية، خاصة "الإخوان المسلمين" في تحقيق مآربهم.
وفي سنوات الحرب العالمية الثانية تسنى للمنظمة، بفضل سياسة مرنة بصورة غير عادية، ليس فقط صون صفوفها، بل وتوسيعها وتعزيزها بصورة ملحوظة. إن "الإخوان المسلمين"، شأنهم في ذلك شأن المنظمات والجماعات الإسلامية الأخرى، قد عبَّروا بشكل سافر عن تعاطفاتهم المؤيدة للنازيين وتنبأوا بهزيمة سريعة لبريطانيا العظمى.
وكان البنا يدرس دائماً بعناية طابع كل وزارة جديدة. فلو كانت تقف على رأسها شخصية قوية، كانت الموضوعات الدينية تهيمن في بياناته، أما إذا كان رئيس الوزراء شخصاً ضعيفاً ومهزوزاً، تميزت خُطبه بطابع سياسي أساساً. وقد قامت الجمعية بحملة سياسية حادة بوجه خاص في فترة حكم وزارة سري (نوفمبر 1940 – فبراير 1942). وقد طالب "الإخوان المسلمون" بعودة علي ماهر وزملائه إلى السلطة.
وفي منتصف مايو 1941، بناء على الأحكام العرفية، تم احتجاز زعيمي الجمعية – البنا وأحمد السكري، جنباً إلى جنب مع مجموعة من الشخصيات "الخطرة" من الناحية السياسية. إلا أن السلطات اضطرت إلى الإفراج عنهما في غضون بضعة أيام تحت ضغط قوي من جانب الإخوان المسلمين والمنظمات المتعاونة معهم. ونقل البنا إلى العمل في صعيد مصر. على أنه سرعان ما أدت موجة احتجاجات جديدة إلى إرغام الحكومة على التخلي عن هذا القرار أيضاً. وقد تحولت عودة "المرشد العام" إلى القاهرة إلى استقبال مهيب، مما شهد على الشعبية المتزايدة للجمعية ولزعيمها.
وبعد انتهاء الأزمة السياسية الحادة في فبراير 1942 ووصول الوفديين إلى الحكم جرى شن حملة كبيرة للقضاء على ما سمي بـ "الطابور الخامس" المصري. على أن الجمعية و"المرشد العام" لها لم يمسهما شيء هذه المرة أيضاً. وقد ارتاح النحاس إلى تعهد البنا بأنه سوف يؤيد سياسة الوفد. وقد ارتأى زعيم الوفديين إحباط "دسائس السراي ضده" بمساعدة الإخوان المسلمين، إلى جانب استخدامهم كثقل مضاد للحركة الديموقراطية العامة والعمالية المتنامية. وحسب تعبير هاريس، فإن الجمعية قد طبقت سياسة "تأييد سلبي للوفد". وقد تمسك البنا بتاكتيك انتظاري، آملاً في أوقات أفضل. وكان تعاونه مع النحاس بحكم طابعه "هدنة، أكثر من كونه إنهاء للحرب".
وبعد خروج وزارة النحاس من الحكم (8 أكتوبر 1944)، سارع قادة الجمعية إلى تحويل توجههم. فقد بدلوا موقفهم من الوفد ودخلوا في تحالف مع كتلة السعديين والأحرار الدستوريين وانضموا إلى جوقة الإدانة العامة لسياسة النحاس وحزبه. ولم يتمزق هذا التحالف حتى بعد الحادث الذي خيم بشكل ثقيل على علاقاتهم، عندما اغتيل أحمد ماهر، رئيس الوزراء، في فبراير 1945. لقد قبض على "المرشد العام" والأمين العام لـ "الإخوان المسلمين" بتهمة التواطؤ، إلا أنه سرعان ما تم الإفراج عنهما.
ولم يستغل حزب "الكتاب الأسود" الذي أصدره مكرم عبيد، بالدرجة التي استغلته بها الجمعية، من أجل التشهير بالوفد، وقد اندرجت الحملة المناوئة للوفد، والتي شنها الإخوان المسلمون، في مخطط تقويض النظام الحزبي بوجه عام.
* * *
من حيث هيكلها التنظيمي، كانت الجمعية تشبه، من ناحية، الأحزاب الاستبدادية – الشمولية المعاصرة ذات المركزية الصارمة والدور الخاص للزعيم، مع شبكة كبيرة من الشُّعَب المحلية تحت قيادة قادة معينين من المركز، ومع تنظيم كتائب شبه عسكرية، وفصائل جوالة، وأندية رياضية وما إلى ذلك، ومن ناحية أخرى، كانت تشبه الفرق الإسلامية السرية والشيع الإصلاحية مع وجوب انصياع كل أعضاء المنظمة لعقيدة دينية محددة والتمييز الصارم بين الأعضاء "السريين" و"غير السريين"، والتصوف، وعناصر من النزعة المهدية، وما إلى ذلك.
وكان المرشد العام يقود المنظمة بمعاونة مكتب إرشاد عام مؤلف من 11 شخصاً، وكان المكتب يحل المسائل الأكثر أهمية باسم المرشد العام. أما المستوى التالي فقد مثلته الهيئة التأسيسية، المؤلفة من 150 شخصاً. وكان مكتب الإرشاد العام يُنتخب كل سنة من جانب الهيئة التأسيسية، أما المرشد العام فكان يُنتخب بدوره لمدة سنتين من جانب مكتب الإرشاد العام وكان المرشد العام هو العضو الثاني عشر والقيادي فيه، وكان يتعين الحصول على إقرار الهيئة التأسيسية لاختياره. إلا أنه يجب ملاحظة أن الهيكل الموصوف لم يتحدد بصورة نهائية إلا بعد موت البنا. ففي حياة مؤسس الجمعية لم يكن مكتب الإرشاد العام يُنتخب من الناحية العملية، بل كان يُعيَّن من جانب المرشد العام، الأمر الذي جعل سلطة الزعيم حاسمة.
وكانت تلي ذلك عشرة مكاتب إدارية: مكتب للقاهرة، ومكتب للإسكندرية، وأربعة مكاتب للوجه البحري، وأربعة مكاتب للصعيد. وكانت تخضع للمكاتب الإدارية فروع الجمعية في المناطق، التي كانت تخضع لها بدورها الشُّعَب الأساسية.
وكان مكتب الإرشاد العام هو الذي يعين قادة المكاتب الإدارية وفروع المناطق والشُّعب. وكان يتعين على كل شعبة أن تلتزم التزاماً صارماً بالتعليمات الصادرة من أعلى.
وقد لعبت الأمانة دوراً هاماً في الهيكل التنظيمي للجمعية، وكان مكتب الإرشاد العام يتبعها مباشرة. وكانت الأمانة تقدم التقارير عن نشاط فروع المناطق والشُّعب المحلية وتسيطر على عملها.
* * *
لقد ظهرت إيديولوجية "الإخوان المسلمين" كاحتجاج على تسلط الأجانب ونفوذ الغرب المتزايد في شتى مجالات الحياة المصرية، وعلى تحديث الإسلام، وكانت المهمة الرئيسية بالنسبة إليها تتمثل في صون، وحماية، وتنقية الإسلام والمجتمع الإسلامي من التأثير الأجنبي.
وفي رسالته إلى رؤساء الدول الإسلامية (بمن فيهم ملك مصر)، والموجهة إليهم في خريف 1936، صاغ البنا لأول مرة عقيدة الجمعية بهذه الدرجة أو تلك من الاكتمال. لقد وجه في هذه الوثيقة نقداً بالغ الحدة لكل الحضارة الغربية وسعى إلى إظهار تفوق الإسلام عليها. وأعلن المرشد العام أن سبب الوضع التعس للبلدان الإسلامية وجميع عللها الاجتماعية هو السيطرة الأجنبية ورغبة أوروبا المسيحية في أن تفرض عليها حضارتها وثقافتها. وفي رأي البنا، ليست الحضارة الغربية، بل و"طريقة التفكير الغربية" نفسها، غير جسم غريب بالنسبة للعالم الإسلامي، ولذا فإن طريق الإسلام يجب إيثاره على "طريق" الحضارة الغربية "المنحط"، وكذلك "القومية الإقليمية" العلمانية (التي تعتبر هي أيضاً نتيجة لتأثير الغرب). فالإسلام "قادر" تماماً "على تلبية حاجات الأمة، المبادرة باتخاذ خطوة واسعة إلى الأمام"؛ والقرآن وحده هو الذي يمكن أن يصبح تلك الوسيلة القادرة على "إنقاذ العالم المضطهد والعليل".
وقد أكد البنا أن الفكر الاجتماعي – السياسي والفلسفي المعاصر لا يستطيع إشباع حاجات المسلمين، لأنه قد صيغ في الإسلام قبل قرونٍ عديدة (وبشكل أيسر وأسهل) كل ما تدعو إليه أكثر تيارات الحاضر الاجتماعية تبايناً (الشيوعية، الاشتراكية، الرأسمالية، الفاشية، إلخ)، بحيث أن المسلم "يملك كل هذا بل وأكثر".
وكان المرشد العام يحب الإشارة إلى شمولية الإسلام، الذي يستوعب بصورة مطلقة كل جوانب النشاط الإنساني. و"هو لهذا يعتبر عقيدة وعبادة، ووطناً وواجب مواطنة، وديناً ودولة، وتديناً وأخلاقاً، وقرآناً وسيفاً".
وقد أشار البنا دائماً إلى أن "جمعية الإخوان المسلمين ليست حركة سياسية، ولا طريقة صوفية، ولا جمعية خيرية، ولا نادياً رياضياً، ولا مؤسسة تجارية، بل جمعية إسلامية، مهمتها – تربية الجيل الجديد بالصورة التي تجعله قادراً على فهم الإسلام الحقيقي .. إن الإخوان المسلمين عقيدة وأمة".
وقد تمثلت إحدى السمات المميزة الرئيسية للجمعية في استخدامها للإسلام في أغراض سياسية. ومن الناحية النظرية، كان الإخوان المسلمون يفسرون ذلك على النحو التالي: بما أن الإسلام يستوعب كل أشكال النشاط الإنساني، فالسياسة تعتبر جزءاً لا يتجزأ من نظرية وبرنامج الجمعية.
لقد كانت عقيدة الجماعة وهيكلها التنظيمي موجهان بالكامل نحو فرض الهيمنة الكاملة للدين على الدولة وذوبانها في الإسلام. وقد رأى البنا أن إحياء مجد الإسلام وعظمته الغابرة لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق العودة إلى أصوله وبعث نقاء تعاليمه وأخلاقه وصرامتها التطهرية. ولكونه حنبلياً متشدداً (شأنه في ذلك شأن مؤسس الوهابية)، فقد أعلن أن المصادر الوحيدة لعقيدته هي القرآن والسنة والسيرة، ودعا إلى التمسك بحروف القرآن والسنة. ومن أجل هذا يلزم قبل كل شيء القضاء على "طريقة التفكير الغربية" وتنقية الإيمان الديني والممارسة الدينية بشكل شديد الحزم من البدع الغربية الفاسدة. وقد دعا إلى إضفاء الروح الإسلامية على جهاز الدولة، أي نشر روح الإسلام بين الموظفين الحكوميين. كما أنه يجب تكييف القانون والقضاء مع الشريعة.
وكان المرشد العام ناقداً شديد الحدة للنظام الحزبي، حيث يعتبره أحد أسباب الوضع التعس للبلاد. (بل إنه قد ابتدع مصطلحاً خاصاً هو "وطنية الأحزاب"، التي اعتبرها من المحرمات). وقد أشار إلى أن وجود الأحزاب السياسية يتعارض مع الطابع التوحيدي للإسلام وينتهك مبادئ القرآن، الذي يوصي المؤمنين بالتعاون وبأن يكونوا إخوة.
وبهذا الشكل، فإن مجمل روح مذهب الجمعية كان موجهاً نحو القضاء على شكل الحكم الدستوري الذي كان قائماً آنذاك.
وقد رأى البنا أن من اللازم تماماً إنشاء جيش قوي، لأن "يقظة الأمة" تتوقف على مثل هذا الجيش، ويجب لهذا الجيش أن يتألف من أناس فتيان وأصحاء (جسماً وروحاً) مفعمين بفكرة الجهاد الإسلامية. وقد دعا المرشد العام إلى تطهير الأخلاق الاجتماعية من التأثير الغربي "الوبيل" وتحريم المشروبات الكحولية، والعقاقير المخدرة، والدعارة، والقضاء على الخيانة الزوجية، وإغلاق الأندية الليلية، وصالات القمار والرقص، وفرض الرقابة على العروض المسرحية، والأفلام والبرامج الإذاعية، والأغاني والمحاضرات، والصحف، وطالب بتطبيق العقاب على كل أولئك الذين لا يراعون المُحَرَّمات، وكذلك الصوم والصلاة.
وكان برنامج "الإخوان المسلمين" الاجتماعي – الاقتصادي منسجماً مع نفسه بما يكفي ومفهوماً من الجماهير، مما كان أحد أسباب نجاحات الجمعية. وقد شغلت مكاناً واسعاً فيه بيانات عن تنمية الصناعة القومية، وإحلال السلع المصرية محل السلع الأجنبية، وتحسين شبكة الخدمات الصحية، ورفع مستوى معيشة الفلاحين والعمال، وتقديم العون للعمال في رفع ثقافتهم وتأهيلهم وما إلى ذلك. أما فيما يتعلق بمصائر البنوك والشركات والمشروعات الأجنبية، فإن برنامج الجمعية في هذه المسألة لا يصمد للنقد حتى من زاوية عقيدتها الخاصة. ولم يعلن إلا في صيغة عامة للغاية سوى أن الشعب يجب حمايته من الشركات الاحتكارية أو أن المشروعات الأجنبية يجب أن تخدم بصورة رئيسية المصالح القومية للبلاد. ويترتب على ذلك أن البنا كان مؤيداً للإبقاء على المشروعات الأجنبية في مصر، مما لا يتماشى مع الروح العامة لعقيدته ومما يشهد على صلاته مع الطبقة الحاكمة. وفي مقابل ذلك، فإنه قد وجه انتباهاً كثيراً إلى شجب "الأرباح، المأخوذة على شكل فائدة على رأس المال"، ووصف ذلك بأنه ربا.
وسعياً إلى اجتذاب تعاطف الجماهير الشعبية، كان المرشد العام يطرح أحياناً مطالب "ثوروية". وهكذا، ففي أوائل عام 1948، نشر وثيقة، قال فيها أن الثروة يجب أن لا تكون حكراً لطبقة واحدة، حيث أن ذلك يتعارض مع مبادئ الإسلام، وقد أشار إلى أن الإسلام يقف ضد نظام "الإقطاع الرأسمالي" الحالي، الذي يسمح بحق غير محدود في الملكية، كما يقف ضد "الشيوعية الملحدة "التي" تملك الدولة كل الأرض" في ظلها. وقد أشار إلى أن الحل الصحيح للمسألة يوجد في منتصف الطريق بين الرأسمالية والشيوعية: إذ يجب أن يملك كل فلاح تلك المساحة من الأرض التي يمكنه فلاحتها بنفسه، أما الفائض من الأرض فيجب توزيعه بصورة مجانية على الفلاحين المعدمين. وقد وجد كلام البنا هذا صدىً واسعاً في البلاد بحيث أن المفتي رأى أن يصدر فتوى خاصة دافع فيها، بوصفه ممثلاً للطبقات السائدة، عن النظام الرأسمالي وخاصةً شرعية النظام القائم لملكية الأرض. وفي هذه المسألة ظهرت بشكل واضح وجهتا نظر متعارضتان في المسألة الزراعية في مصر.
أما إلى أي مدى سعت الجمعية بإخلاص إلى حل المسألة الزراعية لمصلحة الفلاحين، فذلك ما تبينه حقيقة أنه بعد أربع سنوات ونصف طالب زعيم آخر للإخوان المسلمين، هو حسن الهضيبي، بجعل الحد الأقصى لملكية الأرض.. خمسمائة فدان. وقد دل هذا الموقف الذي لم يكن عرضياً بالمرة على أن قيادة الجمعية قد تطورت في اتجاه اليمين ومالت بشكلٍ مُطَّرِد مع الرجعية المصرية.
ومثل هذا الانعدام للانسجام لم يكن يزعج قيادة الجمعية: ذلك أن كل المسلمين، حسب رأي البنا، إخوة، بصرف النظر عن الانتماء الطبقي والقومي. وبناء على ذلك أيضاً فإن الموقف من ملاك المشروعات المسلمين، من ناحية، ومن ملاك المشروعات المسيحيين واليهود، من ناحية أخرى، كان متعارضاً بصورة جذرية. فقد أيدت الجمعية كبار ملاك الأرض والرأسماليين، متى كانوا مسلمين. وهكذا، فإن الإخوان المسلمين قد اتخذوا موقفاً يتميز بالتعاطف تجاه واحد من أغنى الناس في مصر، هو أحمد عبود، صاحب مصانع السكر الكبرى، وتجاه الحاج محمد سالم، الصناعي الكبير، لمجرد أنهما مسلمين.
وقد اجتمعت القومية المصرية لدى الإخوان المسلمين مع نزعة الجامعة العربية. فقد رأوا أن العالم العربي قد جزأته الدول الإمبريالية بصورة مصطنعة. وفي نهاية الأمر، أكد البنا، بوصفه تلميذاً حقيقياً لجمال الدين الأفغاني، الإيديولوجي الأول لنزعة الجامعة الإسلامية، أن كل المسلمين يجب أن يتحدوا، وذلك لتعزيز العالم الإسلامي ولإعادته إلى عظمته السابقة، بتحصينه من "تغلغل المادية".
وقد تحولت نزعة الجامعة العربية ونزعة الجامعة الإسلامية لدى البنا إلى مذهب شديد الرجعية والعنصرية والضرر عن طابع سياسي وديني استثنائي للعرب وللمسلمين، الذين منحهم القدر حق قيادة العالم، والذين "اختارهم الله للنهوض بالبشرية وللسيادة على العالم".
وقد رأى الإخوان المسلمون هدفهم النهائي والرئيسي في بعث خلافة العصر الوسيط، التي سوف تنظم كل جوانب حياتها وفق عقيدة الجمعية وبرامجها.
وكان شعار الإخوان المسلمين هو: "الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا". وتؤكد الجملتان الأخيرتان جنباً إلى جنب مع رمز الجمعية (وهو يصور القرآن بين سيفين) الروح الكفاحية لـ "الإخوان المسلمين". وقد كتب البنا يقول: "إن القوة هي خير ضمانة للحق، وهي فريضة، شأنها في ذلك شأن الصلاة والصوم". وقد اعترفت الجمعية باستخدام أساليب النضال العنيفة (بما في ذلك الأعمال الإرهابية أيضاً) كأحد السبل الرئيسية لتحقيق برنامجها.
* * *
وقد جزأت الدعاية الإسلامية للجمعية صفوف الطبقة العاملة إلى مسلمين ومسيحيين، موسعة بذلك الانقسام القائم بين فئة غير كبيرة من العمال الماهرين (المسيحيين في غالبيتهم)، أي الفصيل القيادي داخل الطبقة العاملة، وجمهور العمال غير الماهرين أو الذين يتميزون بدرجة تأهيل غير عالية (المسلمين بصورة رئيسية). وهكذا، فكلما كان يثار موضوع بدء إضراب، كان الإخوان المسلمون يؤيدون الإضرابات في المشروعات التي يملكها غير المسلمين فقط، أما إذا كان مالك المشروع مسلماً، فقد كانت الجمعية تسارع إلى إقناع العمال (بمساعدة كاسري الإضراب) بأن الدين يحرم الإضرابات.
ولا غرو في أن هيوارث – ديون، وهو يدافع عن آراء إمبريالية، قد رأى أن القوة الوحيدة، القادرة على أن تمثل حاجزاً ضد الأفكار الشيوعية، إنما تتمثل في عقيدة الجمعية، وقد برر ذلك بأن الإخوان المسلمين قد تحركوا بشكل أكثر نجاحاً بين صفوف القوى الاجتماعية، التي تعتبر مهيأة بصورة قصوى لتقبل الأفكار الشيوعية.
والواقع أن نشاط الجمعيات والجماعات الإسلامية قد أعاق عملية توحيد الطبقة العاملة وفق المبدأ النقابي والطبقي.
* * *
وقد تمثلت نقطة قوة "الإخوان المسلمين" في أن شعاراتهم، المصاغة في صيغ دينية مفهومة، قد داعبت مشاعر الجماهير الشعبية، وكان المحرضون المنتمون إلى الجمعية يجيدون إلى حد بعيد فن الدعاية في المساجد، وكانوا يجدون بسهولة خاصة أنصاراً بين صفوف العناصر المتدينة والمحافظة. وفي الفترة الأولى، فترة الإسماعيلية، كان أعضاء الجمعية من العمال غير الماهرين، والفلاحين الفقراء، وجزء صغير من الموظفين والمدرسين ذوي الرواتب المنخفضة، وكذلك من الأشخاص العاملين في مجال الخدمات الخاصة. وكان المستوى المعيشي لهم جميعاً منخفضاً للغاية، وكانوا ورعين وذوي مستوى تعليمي محدود. وبعد انتقال مركز الجمعية إلى القاهرة، أخذ عدد أعضائها يتزايد بسرعة، وانضم إلى الجمعية كثيرون من طلاب الأزهر، ثم بعض طلاب المعاهد الدراسية المتوسطة والعالية الأخرى، كما تزايد عدد الموظفين، والمدرسين، والعمال (غير الماهرين أساساً)، والتجار الصغار والمتوسطين، والحرفيين.
وقد اجتذبت الجمعية إلى صفوفها عدداً صغيراً من الضباط وكثيرين من الجنود، كما اجتذبت عدداً كبيراً نسبياً من الفلاحين. أما ممثلو الطبقات السائدة فلم ينضموا إلى الجمعية واتخذوا منها موقف الحذر لكنهم لم يكونوا معارضين لاستخدامها في صالحهم. وقد تمكن الإخوان المسلمون من أن يجتذبوا إلى صفوفهم بعض الوفديين، وكذلك عدداً هاماً من أكثر أعضاء جمعية الشبان المسلمين و"مصر الفتاة" و"السبكية" والجماعات الإسلامية الأخرى نشاطاً وقدرة.
وقد عبرت الجمعية عن ميول الجماعات الأكثر تخلفاً ورجعية بين صفوف الفئات البورجوازية الصغيرة. وقد تعاونت قيادتها في مراحل مختلفة مع ممثلي الطبقات السائدة، ولم يتعارض نشاطها في أغلب الأحوال مع مصالح الرجعية المصرية، وإن كان قد وجد بين صفوف الإخوان المسلمين عدد غير صغير من الوطنيين الصادقين.
ومنذ عشية الحرب العالمية الثانية ظهر اتجاه واضح إلى دخول قيادة "الإخوان المسلمين" معسكر الرجعية. أما ثورية الجمعية المظهرية ونداءاتها الديماجوجية فقد جعلت منها واحدة من أخطر القوى وأكثرها ضرراً، ذلك أنها قد حرفت الجماهير الشعبية عن الحركة الثورية والديموقراطية الحقيقية.

Copyright © 2008 مبدأ الأمل. All Rights Reserved.
Design by Padd IT Solutions - Blogger Notes Template by Blogger Templates
مبدأ الأمل. Thanks to Blogger Templates. Sejarah Blogger Template Design by: Evyta Ar on Blogs Tutorial