اليهود والحركة الشيوعية المصرية

ردٌ على طارق البشري

بشير السباعي




شكلت الخلفية اليهودية لعدد من قادة الحركة الشيوعية المصرية بين عامي 1918 و 1958 – ومن بين هؤلاء القادة أحمد صادق سعد (1919-1988) – مبرراً من مبررات الهجوم الإيديولوجي على هذه الحركة من جانب ممثلي التيارات القومية الشوفينية على اختلافها. وقد ساعد على اتساع نفوذ هذا الهجوم واقع أنه قد تستر بادعاء الدفاع عن المصالح القومية العربية وواقع أن قيادات الحركة الشيوعية المصرية قد أظهرت تقصيراً ملحوظاً في مجال الدفاع عن هذه المصالح في فلسطين خلال عامي 1947 و 1948.

ومن ناحية أخرى فقد شارك في هذا الهجوم الإيديولوجي في السنوات الأخيرة عدد من الكتاب البارزين، على رأسهم المستشار طارق البشري، الذي كان أحمد صادق سعد يكن له تقديراً خاصاً فيما يتعلق بجانب من تناوله لتاريخ الحركات التلقائية الشعبية في مصر، من ناحية، ولا يخفي الإعراب عن عدم ارتياحه لكثير من استنتاجاته، من ناحية أخرى.

ويمكننا الادعاء بأن أحمد صادق سعد ما كان ليقبل، بشكل خاص، استنتاجات المستشار طارق البشري بشأن مسألة "اليهود والحركة الشيوعية المصرية" والتي عاد الأخير إلى عرضها في عدد أبريل 1988 من مجلة "الهلال" القاهرية بعد أن كان قد سبق له أن فعل ذلك بشكل تفصيلي في كتابه "المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية" (القاهرة، 1981).

* * *

يمكن تلخيص الاستنتاجات التي توصل إليها طارق البشري فيما يلي:

1- أن الحركة الشيوعية المصرية قد عرفت اليهود مؤسسين لها أو مندوبين للأممية الشيوعية أو مسؤولين في هيئات الأممية المسؤولة عن النشاط الشيوعي في الشرق الأوسط. 2- أن الوجود اليهودي الأجنبي في الحركة الشيوعية المصرية لم يكن بعيداً عن التحرك الصهيوني. 3- أن التوجه اليهودي الأجنبي إلى الحركة الشيوعية المصرية، بعد إلغاء الامتيازات الأجنبية، كان جزءاً من سعي الجاليات الأجنبية في مصر إلى تأمين امتيازاتها الاجتماعية – الاقتصادية. 4- أن جانباً من الصراع السياسي داخل الحركة الشيوعية المصرية يجد تفسيره في سعي العناصر اليهودية الأجنبية داخل الحركة إلى استبقاء هيمنتها على الحركة في مواجهة الكوادر المصرية.

وقد استند طارق البشري، في التوصل إلى هذه الاستنتاجات، إلى كتب رفعت السعيد عن "تاريخ الحركة الشيوعية المصرية"، وإلى كتاب الأستاذ محمد سيد أحمد: "مستقبل النظام الحزبي في مصر" (القاهرة، 1985).

ومن بين هؤلاء الكتاب الثلاثة، فإن رفعت السعيد كان الوحيد الذي اعترض على تفسير طارق البشري لما كتبه حول دور اليهود في الحركة الشيوعية المصرية (رفعت السعيد: تاريخ الحركة الشيوعية المصرية من 1940 إلى 1950، شركة الأمل، القاهرة، 1988، ص6)، إلا أنه لم يناقش الاستنتاجات التي توصل إليها طارق البشري، وكأنها لا تستحق المناقشة، رغم أن رفعت السعيد يقرر أن الأخير اتخذ من كتاباته – كتابات رفعت السعيد – "مادة للدعاية المضادة لليسار" (المصدر السابق، ص5). ويبدو أن رفعت السعيد لا يقدر هذه الدعاية على نحو ما يجب، خاصة عندما يبادر بها مؤرخ واسع النفوذ مثل طارق البشري.

وسوف نحاول في السطور التالية مناقشة استنتاجات طارق البشري والتي أوحت بها إليه كتابات المذكورين.

* * *

1- عرفت الحركة الشيوعية المصرية اليهود الأجانب مؤسسين لها أو مندوبين للأممية الشيوعية أو مسؤولين في هيئات الأممية المسؤولة عن النشاط الشيوعي في الشرق الأوسط. هذا صحيح. فعلى سبيل المثال، كان جوزيف روزنتال واحداً من مؤسسي الخلايا الشيوعية في مصر بعد ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، وكان روبرت جولدنبرج سكرتيراً للجنة القاهرة للحزب الشيوعي المصري الأول، وكان أ. أفيجدور و أ. ن. تيبير (الشهير تحت الاسم الحركي أ. شامي) (1893-1942)، عضو الحزب الشيوعي الفلسطيني من عام 1922 وعضو الحزب الشيوعي السوري في عامي 1925 و 1926 ومندوب اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية في عامي 1927 و 1928 والأستاذ بالجامعة الشيوعية لكادحي الشرق حتى عام 1929، مندوبين للجنة التفيذية للأممية الشيوعية لدى الحزب الشيوعي المصري الأول، وكان فولف ب. آفيربوخ (الشهير تحت الاسمين الحركيين أبو زيام وحيدر) (1893-1941)، عضو الحزب الشيوعي الفلسطيني اعتباراً من عام 1922 والسكرتير العام للحزب المذكور بين عامي 1923 و 1930 وأحد مسؤولي الأممية الشيوعية بين عامي 1931 و 1935، مسؤولاً عن القسم العربي بالجامعة الشيوعية لكادحي الشرق خلال أوائل الثلاثينيات، وكان ف. أ. روتشتاين (1871-1953)، مؤلف كتاب "خراب مصر" (1910)، وكتاب "الإنجليز في مصر" (1925)، من كبار الكتاب الروس الذين وجهت تحليلاتهم جانباً من مواقف الكومنترن تجاه مصر.

هؤلاء جميعاً كانوا يهوداً، وكان هناك يهود آخرون لعبوا أدوراً أقل شأناً.

على أن الحركة الشيوعية المصرية قد عرفت كذلك – وهو ما لا يمكن أن يجهله طارق البشري – الشوام المسيحيين واليونانيين والقبارصة والأرمن والإيطاليين والسويسريين، بل واليابانيين والبلغاريين مؤسسين لها أو مندوبين للجنة التنفيذية للأممية الشيةعية أو مسؤولين في هيئات الأممية - المؤقتة و الدائمة- المسؤولة عن النشاط الشيوعي في الشرق الأوسط. ومن المؤكد أن طارق البشري يعرف أن اللبناني المسيحي أنطون مارون (1885-1925)، المحامي والصحفي اللامع، كان أحد منظمي النقابات العمالية المصرية وأحد مؤسسي وقادة الحزب الشيوعي المصري الأول، وأن الياباني "سين كاتاياما"، كان رئيس لجنة المسألة المصرية التي أعدت مشروع قرار المؤتمر العالمي الرابع للأممية الشيوعية (نوفمبر – ديسمبر 1922) بشأن الحزب الاشتراكي المصري، وأن البلغاري جيورجي ديمتروف (1882-1949) كان أحد راسمي توجيهات الكومنترن إلى الشيوعيين المصريين في عام 1935، إلخ، إلخ.

المسألة إذاً ليست مسألة يهود بشكل محدد. بل مسألة طبيعة الحركة الشيوعية بوصفها حركة غير قومية توحد في صفوفها مناضلين من مختلف الجنسيات، دون تمييز بين يهودي أجنبي أو مصري أصيل أو لبناني مهاجر أو يوناني وافد، إلخ.

والحال أن وجود عناصر تنتمي إلى أقليات مختلفة، أجنبية أو محلية، في حركة سياسية كالحركة الشيوعية، ليس ظاهرة استثنائية في التاريخ العربي أو غير العربي.ذلك أن الحركة القومية – التنويرية العربية في الإمبراطورية العثمانية في الشطر الأخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مثلاً، قد عرفت المسيحيين الشوام قادة ومفكرين ومؤسسين لجماعات تنويرية ومناضلين ضد الاستبداد التركي وداعين إلى أفكار القومية العربية، كما عرفت الحركة القومية – التنويرية المصرية في الفترة ذاتها اليهود والشوام المسيحيين قوميين ومنوِّرين.

وقد وجد هذا الواقع التاريخي تفسيراً له في كتابات عدد من المستشرقين، نذكر من بينهم زلمان إيساكوفيتش ليفين وأ. جورافسكي.

وعندما نتحدث عن وجود عناصر من الجاليات الأجنبية في الحركة الشيوعية المصرية خلال الفترة من عام 1918 إلى عام 1958 فإننا نتحدث عن عناصر طليعية من المثقفين وأشباه المثقفين والعمال المنتمين إلى مثل هذه الجاليات لا عن الجماهير الغفيرة للأخيرة. فالواقع أن هذه الجماهير، لأسباب اجتماعية – سياسية تاريخية محددة، قد ظلت خارج الحركة الشيوعية المصرية، بل واتخذت منها موقفاً عدائياً من خلال اندراجها – على الأغلب – في حركات قومية مناوئة للشيوعية. وكانت نسبة المناضلين المنتمين إلى الجاليات الأجنبية في الحركة الشيوعية المصرية إلى المناضلين المصريين أقل من نسبة إجمالي أفراد الجاليات الأجنبية إلى عدد السكان المصريين. وكان هؤلاء المناضلون الأجانب يمثلون نسبة لا تكاد تذكر من أفراد الجاليات الأجنبية التي ينتمون إليها.

وعندما بدأ تكوين الخلايا الشيوعية الأولى في مصر عام 1918 كان العدد الإجمالي لأفراد الجاليات الأجنبية نحو 330 ألف نسمة في بلد يبلغ تعداد سكانه 13 مليون نسمة. وكان من الطبيعي أن تندرج أعداد من أفراد هذه الجاليات في صفوف الحركة الشيوعية، مثلما اندرجت أعداد أخرى – بدرجة أعلى بكثير – في حركات سياسية أخرى كالحركة القومية الأرمنية أو الحركة الفاشية الإيطالية أو الحركة الصهيونية اليهودية.

والواقع أن وجود اليهود في الحركة الشيوعية، خاصة في بداياتها، ليس قاصراً على الحركة الشيوعية المصرية. فقد عرفت الحركات الشيوعية في العديد من البلدان التي توجد بها أقليات يهودية محلية أو يهود أجانب ظاهرة اندراج مثقفين وأشباه مثقفين وعمال متقدمين في صفوفها. وقد أشار ليون تروتسكي (1879 – 1940) إلى هذا الواقع في عام 1939 حيث أوضح أن اليهود في مثل تلك البلدان "يشكلون أشباه أجانب، غير مستوعبين بالكامل، منفصلين عن الموروثات القومية للشعوب التي يحيون بينها، وينتمون إلى كل اتجاه انتقادي جديد، ثوري أو شبه ثوري، في السياسة، والفن، والأدب، إلخ".

باختصار، لا يجب التوقف عند واقع وجود عناصر يهودية أجنبية في الحركة الشيوعية المصرية، خاصة في بداياتها، بل يجب الانتقال من رصد هذا الواقع إلى محاولة تفسيره، وهذا يجرنا إلى ثاني استنتاجات طارق البشري.

2- في تجاهل تام لتفسير كذلك الذي قدمناه، يزعم طارق البشري أن "الوجود اليهودي الأجنبي في الحركة الشيوعية المصرية لم يكن بعيداً عن التحرك الصهيوني في منطقة المشرق العربي".

هذا إذاً هو تفسيره، أو أحد تفسيراته، للوجود اليهودي الأجنبي في الحركة الشيوعية المصرية.

يستند طارق البشري في هذا التفسير إلى واقع رئيسي: تأييد أغلب الكوادر اليهودية داخل الحركة الشيوعية المصرية، خاصة في عامي 1947 و 1948 لقرار الأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين.

ولابد من التساؤل: هل كان هذا التأييد صادراً عن عقيدة صهيونية لدى هذه الكوادر أم كان صادراً عن ذيلية هذه الكوادر السياسية تجاه البيروقراطية السوفييتية التي أيدت هذا القرار؟

لقد أيدت أحزاب ستالينية عديدة، ليست تحت سيطرة كوادر يهودية، هذا القرار، وكذلك فعلت كوادر ستالينية مصرية غير يهودية. بينما عارضته – في البداية على الأقل – كوادر ستالينية يهودية في الحركة الشيوعية المصرية. هذا واقع تاريخي.

ورغم أننا لا نستبعد حدوث اختراق صهيوني تخريبي للحركة الشيوعية في عدد من بلدان المشرق العربي ومصر، إلا أننا نعتقد أن تأييد غالبية الكوادر اليهودية لمشروع إنشاء دولة يهودية في فلسطين كان صادراً عن الذيلية السياسية لهذه الكوادر تجاه ستالين، الذي لم يكن، بطبيعة الحال، يهودياً، بل والذي يمكن التأكيد على أنه كان معادياً للسامية.

وحيث أن هذه القيادات لم تكن تتمتع بأية سيطرة ذات وزن على القطاعات الرئيسية للحركة الجماهيرية، فإنها لم تخف من خسارة هذه مثل هذه السيطرة – غير الموجودة – إذا أيدت موقف ستالين، وكان شاغلها الرئيسي هو السيطرة على الحلقات التي كانت تتزعمها والتي ربتها على روح الولاء لخط "الأخ الأكبر".

ومن ناحية أخرى فإن الكوادر اليهودية داخل الحركة التروتسكية العالمية، وعلى رأسها أرنست ماندل وييجال جلوكشتاين (الشهير تحت اسم توني كليف) قد اتخذت موقفاً أممياً عند تفجر النزاع العربي – الصهيوني في عامي 1947 و1948 ووقفت ضد قرار تقسيم فلسطين وشجبت اعتراف ستالين بالدولة الصهيونية.

المسألة إذن ليست مسألة يهود، بل مسألة سياسة. وقد كانت سياسة غالبية الكوادر الستالينية اليهودية تجاه النزاع المذكور سياسة انتهازية غير ماركسية.

3- أما التفسير الثاني الذي يقدمه طارق البشري للوجود اليهودي في الحركة الشيوعية المصرية بعد إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر في عام 1937 فهو أغرب من التفسير الأول.

يزعم طارق البشري أن التوجه اليهودي الأجنبي إلى الحركة الشيوعية المصرية كان جزءاً من سعي الجاليات الأجنبية إلى تأمين امتيازاتها الاجتماعية – الاقتصادية.

لقد سبق أن أشرنا إلى أن الجماهير الغفيرة للجاليات الأجنبية في مصر قد ظلت خارج الحركة الشيوعية، بل واتخذت منها موقفاً عدائياً، وقد عبرت صحافة هذه الجاليات الصادرة في مصر عن هذا العداء مراراً، كما أن جماهير هذه الجاليات الغفيرة كانت غارقة، بحكم تكوينها الاجتماعي، في حركاتها القومية الخاصة: كان هذا حال الأرمن ولا يزال حالهم إلى اليوم وكان هذا هو حال غالبية أفراد الجالية الإيطالية التي راهنت على موسوليني، خاصة بعد نجاح غزو الحبشة، وكان هذا هو حال جانب غير قليل من اليهود الأجانب الذين راهنوا على اقتراب تحقق المشروع الصهيوني في فلسطين، إلخ.

ومن ناحية أخرى، فإن ميل الجاليات الأجنبية إلى تأمين امتيازاتها الاجتماعية – الاقتصادية قد فرض على هذه الجاليات تأييد اليدكتاتوريات المصرية التي كانت تقمع كل تحرك جماهيري مضاد للامتياز الاجتماعي – الاقتصادي، سواء كان مصرياً أو أجنبياً. ومن غير المفهوم أن يتوجه الأجانب في مصر إلى الحركة الشيوعية – التي لا تخفي عداءها للامتياز الاجتماعي – الاقتصادي، خاصة الأجنبي – سعياً إلى... تأمين امتيازاتهم.

إن التفسير الذي يقدمه طارق البشري ليس سوى لغز نرجو أن يتمكن من تفسيره.

لقد كان الرهان الرئيسي للجاليات الأجنبية المتميزة في مصر بعد الحرب العالمية الثانية، مثلما كان قبلها، يتمثل في تأكيد السيطرة البريطانية على البلاد وفي تأييد وجود جيش الاحتلال.

لقد تدفق الأجانب على مصر مع عملية استعمار مصر، خاصة بعد الاحتلال البريطاني في عام 1882 وأخذت الجماهير الغفيرة لهذه الجاليات في النزوح عن مصر بشكل جماعي بعد جلاء الجيش البريطاني في عام 1956.

ذلك واقع تاريخي معروف للجميع، ولا ندري لماذا اختار طارق البشري تجاهل مغزى هذا الواقع وراح يتحدث عن رهان الجاليات الأجنبية على... الحركة الشيوعية.

4- يزعم طارق البشري أن جانباً من الصراع السياسي داخل الحركة الشيوعية المصرية في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات يجد تفسيره في سعي العناصر اليهودية الأجنبية داخل الحركة إلى استبقاء هيمنتها على الحركة في مواجة الكوادر المصرية.

هذا الاستنتاج ضروري لتعزيز مجمل استنتاجات طارق البشري السابقة حول أهداف الوجود اليهودي الأجنبي في الحركة الشيوعية المصرية.

ولا ندري لماذا يتحدث طارق البشري عن "الصراع السياسي" داخل الحركة الشيوعية المصرية بينما يعرف الجميع أن صراعات الفصائل الستالينية الداخلية كانت في أغلبها صراعات مبتذلة – ومريرة للأسف – بين حلقات وشيع وتجمعات معزولة عن القطاعات الرئيسية للحركة الجماهيرية؟

إن الصراع على الصدارة، في ظرف كهذا، لا يحتاج تفسيره إلى البحث عن "مذنب" يهودي، فقد كان الجميع "مذنبين"، وكان الجميع غائبين عن دور القائد السياسي الفعلي للطبقة العاملة المصرية.

والحال أن غياب حركة شيوعية ذات نفوذ رئيسي داخل الحركة العمالية هو من الأمور التي تشجع على الصراعات الفصائلية غير المبدئية وغير المسؤولة وعلى ميول كسب الصدارة داخل الحلقات وعلى احتداد الانقسامات وتزايد الانشقاقات اللامبدئية. ولا تتراجع هذه الظواهر السلبية إلا عندما تكون هذه الحركة الشيوعية حركة مسؤولة أمام جماهير عريضة. ولم تكن الحركة الستالينية المصرية حركة مسؤولة أمام جماهير عريضة ولم تكن هذه الجماهير مهتمة بالوقوف على النزاعات الفصائلية داخل صفوف الحركة الستالينية لأنها لم تكن تتحسس خطورة هذه النزاعات على حركتها التي لم ينجح الستالينيون المصريون في تحقيق انغراس مؤثر ومستقر في صفوفها.

وبسبب افتقار غالبية كوادر الحركة الستالينية إلى تربية أممية، فقد كان من السهل على الزعماء المتنازعين إذكاء الشوفينية القومية داخل الحلقات، سعياً إلى كسب الصدارة، وتبادل الاتهامات فيما بينهم، في الوقت نفسه، بخيانة الأممية البروليتارية.

لقد بينا زيف تفسيرات طارق البشري للوجود اليهودي الأجنبي في الحركة الشيوعية المصرية، ومع سقوط هذه التفسيرات يسقط، كذلك، تفسيره للنزاعات الفصائلية داخل الحركة.

مسائل منهجية:

لا شك أن طارق البشري يدرك جيداً أن التحقق من صدق رواية ما عن موضوع تاريخي ما وصحة نسب وثيقة ما هو من المقومات الأساسية للبحث التأريخي.

ورغم ذلك، فإن طارق البشري لم يهتم بإجراء مثل هذا التحقق في موضوع "اليهود والحركة الشيوعية المصرية". وسوف نكتفي للتدليل على ذلك بإيراد مثالين:

1- ينقل طارق البشري رواية عبد الرحمن فضل – التي أدلى بها الأخير لرفعت السعيد، حسب زعم رفعت السعيد – عن تجربته في موسكو.

وفي هذه الرواية، يتحدث عبد الرحمن فضل عن أبو زيام باعتباره "يهودياً عربياً، كان ينفذ الأغراض الصهيونية". وقد ذكر عبد الرحمن فضل أن أبو زيام قد أبعد عن الكومنترن في عام 1935 ضمن "70 شخصاً صهيونياً"، الأمر الذي اعتبره عبد الرحمن فضل تأكيداً لمخاوف وشكوك الشيوعيين العرب تجاه أولئك الأشخاص.

لا يتحرى رفعت السعيد صدق هذه الرواية. إنه يكتفي بإثباتها دون إثارة أي شكوك حولها. وطارق البشري – للأسف! – يفعل الشيئ نفسه، ويرتب عليها جانباً من استنتاجاته!

والحال أن هذه الرواية زائفة من أساسها.

فأولاً، لم يكن أبو زيام يهودياً عربياً، بل كان يهودياً روسياً. وقد سبق أن أشرنا إلى اسمه الحقيقي.

وثانياً، رغم أن أبو زيام قد أُعدم في عام 1941 بتهمة العمالة للاستعمار والدعوة للصهيونية، إلا أنه قد أنكر هذه التهمة. وجرى رد الاعتبار إليه رسمياً في عام 1957.

2- يسلم طارق البشري بادعاء رفعت السعيد أن الوثيقة التي تحمل عنوان "المشكلة الفلسطينية" ترجع إلى قلم هنري كورييل.

لم يحاول طارق البشري التحقق من صحة نسب الوثيقة المذكورة إلى هنري كورييل، رغم أن ادعاء رفعت السعيد بوجود "دلائل عديدة" على صحة هذا النسب لا يتضمن الإشارة إلى دليل واحد.

بل على العكس، هناك ما يشير إلى عدم صحة هذا النسب.

فأولاً، لا يشير هنري كورييل نفسه في الحديث الذي أجراه معه رفعت السعيد في باريس في 2/4/1973 والذي تحدث فيه الأول عن تطور موقفه تجاه المسألة الفلسطينية، إلى هذه الوثيقة.

وثانياً، لا يشير جيل بيرو، الذي كتب سيرة هنري كورييل وتناول تطور موقفه تجاه المسألة الفلسطينية، إلى هذه الوثيقة، رغم أن جيل بيرو قد اطلع على كامل أرشيف هنري كورييل.

وثالثاً، لا يشير هنري كورييل إلى هذه الوثيقة في الجزء الذي يحمل عنوان: "موقف الحركة المصرية للتحرر الوطني من المشكلة الفلسطينية" من تقريره عن تاريخ الحركة بين عامي 1943 و1948.

ورابعاً، يبدو من الوثيقة أن التحليل الذي تتضمنه للمشكلة الفلسطينية يتوقف عند خريف 1945. وفي تلك الفترة كان كورييل غارقاً حتى أذنيه في التعامل مع مشكلات تنظيمية داخل الحركة المصرية للتحرر الوطني، بشكل كان يتعذر معه عليه التفرغ لإعداد وثيقة عن المشكلة الفلسطينية.

وخامساً، تستند الوثيقة المذكورة إلى مراجع عبرية – ضمن مراجع أخرى – ولم يكن هنري كورييل – في عام 1945 على الأقل إن لم يكن بعد ذلك أيضاً – على إلمام باللغة العبرية.

وسادساً، تتضمن الوثيقة ملاحظات عن كيبوتزات في فلسطين، لا تتوافر إلا لشاهد عيان. والحال أن هنري كورييل لم يكن قد زار فلسطين في الفترة التي ترتبط بها هذه الملاحظات .

وسابعاً، يكشف تحليل بنية الوثيقة أنها لا تمت بصلة لبنية مختلف محررات هنري كورييل. ولو نشرت هذه الوثيقة ضمن مجموعة كتابات هنري كورييل لاكتشف القارئ العادي ذلك.

وثامناً، يعلن هنري كورييل في سيرته الذاتية أنه ورفاقه لم يهتموا بالقضية الفلسطينية خلال الفترة التي من المفترض أن الوثيقة قد كتبت فيها.

وأخيراً، فإن التاريخ الذي ذيلت به الوثيقة تاريخ مزيف، لأن الوثيقة نفسها تستشهد بمراجع صدرت بعد ذلك التاريخ. إننا نكتفي بالمثلين السابقين للتدليل على أن طارق البشري لم يلتزم في موضوع "اليهود والحركة الشيوعية المصرية" بقواعد البحث التأريخي.


مايو 1990







أحمد صادق سعد


(1919-1988)


بشير السباعي


ولد أحمد صادق سعد في يناير 1919 في شبرا باسم إيزيدور سلفادور لأب حرفي يهودي كان قد نزح إلى مصر من تركيا، هو رافاييل سيمون سالتييل، الذي كان أجداده قد نزحوا إلى الامبراطورية العثمانية أثناء طرد اليهود الجماعي من إسبانيا في عام 1492، ولأم بورجوازية صغيرة يهودية ولدت في أوديسا، الميناء الأوكراني الواقع على البحر الأسود، هي صوفي بيرليافسكي، التي عاصرت المذابح المعادية لليهود في أوكرانيا خلال العهد القيصري.


وقد حصل أحمد صادق سعد على تعليمه قبل الجامعي في مدارس فرنسية في مصر ثم تخرج من كلية الهندسة في أوائل الأربعينيات.


وكانت اللغة الفرنسية – حتى تخرجه – هي اللغة الرئيسية التي يتحدث ويقرأ بها. إلا أنه سرعان ما تمكن - في وقت قياسي – من تعلم اللغة العربية والكتابة بها، خلافاً لكثيرين من أقرانه من المثقفين اليهود ذوي الأصول الأجنبية. وهو ما يدل على أن أحمد صادق سعد كان قد قرر – منذ وقت مبكر – البقاء في مصر وربط مصيره بمصير البلد الذي ولد ونشأ فيه.


وقد ارتبط أحمد صادق سعد في صدر شبابه – خاصة عشية الإبادة الهتلرية لليهود في ألمانيا – بعدد من الحركات الشبابية اليهودية المناهضة لمعاداة السامية، مؤكداً بذلك تحرره التام من مؤثرات الصهيونية التي اعتبرت مناهضة معاداة السامية عملاً عبثياً ورأت حل المسألة اليهودية في تجميع يهود الشتات في فلسطين. ويبدو أنه كان يدرك إدراكاً جيداً أن الصهيونية لا تبدأ إلا مع الكف عن النضال ضد معاداة السامية واليأس من إمكانية تطبيع الحياة اليهودية داخل المجتمعات التي يحيا اليهود فيها.


وعندما قرر عدد من المثقفين اليهود الأجانب الرحيل عن مصر إلى فلسطين – ولو مؤقتاً – إثر اقتراب قوات المحور من مصر في عام 1942، قرر أحمد صادق سعد البقاء في مصر. وكان قادراً على إدراك أنه إذا ما قدر لهذه القوات احتلال مصر، فلن يكون هناك ما يحول دون اجتياحها فلسطين. وتنظيم مذبحة جماعية لليهود هناك. ولذا فقد رأى أن الخيار الوحيد المناسب هو الصمود والمقاومة لا الفرار.


وقد ارتبط أحمد صادق سعد في أواخر الثلاثينيات بـ "الرابطة السلمية" التي كان الشيوعي السويسري المعروف بول جاكو ديكومب قد أسسها في مصر إثر مؤتمر أمستردام, إلا أن الرابطة سرعان ما حلت نفسها إثر نشوب الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939.


وغداة حل "الرابطة السلمية"، شارك أحمد صادق سعد في تكوين "جماعة البحوث"، والتي ركزت على إعداد دراسات عن الواقع الاجتماعي المصري المعاصر وعن تاريخ الحركة القومية المصرية.


وفي عام 1941، شارك أحمد صادق سعد في تأسيس "لجنة نشر الثقافة الحديثة" التي ترأسها سعيد خيال، والتي نظمت عدداً من الندوات التي كان يتردد عليها مثقفون يساريون من مختلف الميول.


وفي عام 1942، شارك في تأسيس "جماعة الشباب للثقافة الشعبية" التي مارست النشاط – حتى عام 1945 – بين صفوف العمال في منطقة السبتية بالقاهرة وبين صفوف الفلاحين في منطقة ميت عقبة بالجيزة. وقد حلت هذه الجماعة نفسها في عام 1945 لتحل محلها "لجنة العمال للتحرر القومي – الهيئة التأسيسية للطبقة العاملة" والتي تولت إصدار مجلة "الضمير".


وفي عام 1945، نشر أحمد صادق سعد كراس "مشكلة الفلاح". وقد دعا هذا الكراس إلى تحديد حد أقصى لملكية الأرض الزراعية لا يزيد عن خمسين فداناً، وإلى مصادرة الأراضي التي تزيد عن هذا الحد وتوزيعها على الفلاحين المعدمين وإلى إنشاء تعاونيات زراعية إنتاجية. وقد ربط الكراس إجراء هذه التحولات بتحول جذري في الهيكل الاجتماعي – الاقتصادي للبلاد.


وترى الباحثة السوفييتية إيفانوفا أن كراس "مشكلة الفلاح" هو أول معالجة ماركسية للمسألة الزراعية في مصر. وفي عام 1945، شارك أحمد صادق سعد في إصدار مجلة "الفجر الجديد" وأسهم بالكتابة فيها – بتوقيع "أحمد سعيد" أو "نهاد" – حتى إغلاقها في يوليو 1946 ضمن إطار الحملة المعادية للشيوعية التي شنها إسماعيل صدقي.


وفي عام 1976، أعاد أحمد صادق سعد نشر هذه الإسهامات الصحفية تحت عنوان "صفحات من اليسار المصري" صدَّرَها بتناول انتقادي لتجربة الحركة الشيوعية المصرية.


وفي عام 1946، شارك أحمد صادق سعد في تأسيس منظمة "الطليعة الشعبية للتحرر"، وتولى قيادة هذه المنظمة حتى منتصف عام 1948. وقد غيرت هذه المنظمة اسمها في عام 1951 إلى "طليعة العمال" ثم في عام 1957 إلى "حزب العمال والفلاحين الشيوعي المصري". وعند توحيد الحركة الشيوعية المصرية في عام 1958، جرى استبعاد أحمد صادق سعد من الأجهزة القيادية للحزب الجديد، كجزء من سياسة "تمصيرية" عامة لهذه الأجهزة.


وفي عام 1946، نشر أحمد صادق سعد كتاب "فلسطين بين مخالب الاستعمار"، وهو ثاني كتاب يساري يصدر باللغة العربية في مصر عن الصهيونية، حيث كان أنور كامل قد نشر قبل ذلك بعامين كتاب "الصهيونية". وقد استفاد أحمد صادق سعد في فهم المسألة اليهودية ومضاعفاتها من كتاب أوتو هيلر: "اضمحلال اليهودية"، الذي كان قد صدر بالألمانية في فيينا في عام 1931 والذي اطلع عليه أحمد صادق في ترجمته الفرنسية الصادرة في باريس في عام 1939. وقد تعرض أحمد صادق للاعتقال في عام 1946 ثم في عام 1948.


وعند صدور قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947، عارض أحمد صادق سعد القرار على صفحات نشرة "الهدف" الشيوعية السرية، إلا أنه اضطر إلى التراجع عن هذه المعارضة إثر انتهاء حرب فلسطين، مسايراً بذلك الخط السوفييتي الرسمي تجاه المسألة الفلسطينية.


وعندما بلغت الحملة المعادية للشيوعية ذروتها في عام 1959، تعرض أحمد صادق سعد للاعتقال وظل معتقلاً حتى عام 1964 (1).


وبعد حل المنظمات الشيوعية لنفسها، انصرف أحمد صادق سعد إلى البحث والكتابة وإلى إعادة النظر في تجربة الحركة التي كان أحد مؤسسيها. وتولى في الوقت نفسه مسؤولية إدارة المشروعات بشركات الدلتا الصناعية (إيديال).


وفي عام 1979، نشر أحمد صادق سعد كتابه الرئيسي: "تاريخ مصر الاجتماعي – الاقتصادي"، الذي حاول أن يقدم فيه رؤية جديدة للتاريخ المصري تستند إلى أطروحة ماركس المعروفة عن "النمط الآسيوي للإنتاج"، والتي كانت قد لقيت رواجاً بين صفوف عدد من الباحثين الماركسيين الفرنسيين خلال الستينيات.


وتعتبر محاولة أحمد صادق سعد المحاولة الثانية بعد محاولة إبراهيم عامر في كتابه "الأرض والفلاح" (1957) لتناول تاريخ مصر الاجتماعي – الاقتصادي تناولاً غير تقليدي.


وقد دلت هذه المحاولة من جانب أحمد صادق سعد على نفورة المتزايد من الأطروحة الستالينية عن "مراحل التطور الخمس الضرورية" والتي كان هو نفسه قد ساعد على ترويجها من قبل.


وقد اتبع أحمد صادق سعد هذا الكتاب الرئيسي بعدد من الكتب والدراسات والمقالات التي تشهد كلها على التوتر الذي أخذ يتزايد احتداداً في تفكيره بين العقائد الستالينية الجامدة ونتائج البحث الماركسي الجديد في تاريخ وحاضر العالم الثالث، خاصة مصر والعالم الإسلامي.


* * *


لقد مات أحمد صادق سعد وهو في غمار البحث الدؤوب عن إجابات عن الأسئلة التي تؤرق بال الكثيرين من المثقفين اليساريين المصريين على عتبات القرن الحادي والعشرين بعد أن تكشف لهم أن الجمود الفكري لا يمكن أن يكون مدخلاً إلى تحقيق مجتمع يكون فيه "التطور الحر لكل فرد هو شرط التطور الحر للجميع"، حسب كلمات "البيان الشيوعي". ولا عزاء للمتخشيبين!


مجلة "أدب ونقد"، القاهرة، فبراير 1989


__________


(1) خلال سنوات الاعتقال الطوال، أبدت السيدة دينه حموي منشه، زوجته، الكورسيكية الأصل، صموداً لا يقل عن صمود زوجات الديسمبريين الروس في المنفى السيبيري، وتولت رعاية صغارهما وسط ظروف شديدة القسوة. فتحية لبسالتها ولبسالة كل النساء اللاتي صمدن خلال المحنة. إنهن جديرات بقصيدة من طراز قصيدة نيكراسوف الشهيرة "نساء روسيات"!.

حول ملابسات تكوين جماعة "الفن والحرية"

بشير السباعي


جورج حنين

يشير الأستاذ أنور كامل إلى أن جماعة "الفن والحرية" كانت تعبيراً عن التقاء ثلاثة روافد كانت موجودة في الساحة الثقافية المصرية في الثلاثينيات. وقد اكتفى الأستاذ أنور كامل بهذه الإشارة – الصحيحة – رداً على سؤال لم يكن يسمح بمزيد من التوضيح. على أن السؤال يظل مائلاً: كيف أمكن لهذه الروافد أن تلتقي بهذه السهولة النادرة التي التقت بها لكي يشكل ممثلوها الجماعة، وما هو الظرف المباشر الذي قاد إلى تأسيسها؟


فيما يتعلق بالشق الأول من السؤال، أعتقد أن سهولة الالتقاء الذي حدث تكمن في توافر درجة عالية من تقارب تلك الروافد في فهم دور الانتلجنتسيا الإبداعية الثورية في تلك الحقبة الرجعية: حقبة الفاشية والنازية وسحق الثورة الإسبانية ومحاكمات موسكو الصورية وتسلط الستالينية على المجتمع السوفييتي وعلى الحركة العمالية العالمية وتزايد نفوذ القوى الشمولية السلفية في الحياة السياسية – الثقافية المصرية، خاصة بعد توقيع معاهدة 1936 وسقوط القومية – الليبرالية في مصر. وقد أدرك ممثلو تلك الروافد أن معطيات حقبة الرجعية هذه تدمر شروط الإبداع الثقافي، ولذا فإن دور الإنتلجنتسيا الإبداعية الثورية يتمثل في نبذ موقف اللامبالاة تجاه معطيات الحقبة المذكورة والتوحد الإيجابي مع الحركة الثورية التي تهدف إلى إعادة تأسيس المجتمع على أسس جديدة. وقد تكشف هذا الإدراك في أعمال جورج حنين ورمسيس يونان وأنور كامل وكامل التلمساني السابقة على تأسيس جماعة "الفن والحرية".


وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، أعتقد أن الظرف المباشر الذي قاد إلى تكوين الجماعة في أوائل يناير 1939 يتمثل في صدور بيان بريتون – تروتسكي الذي صدر في يوليو 1938 في المكسيك تحت توقيع بريتون والرسام المكسيكي ديييجو ريبيرا، وهو البيان الذي دعا إلى "فن ثوري حر" وإلى إنشاء "اتحاد أممي للفن الثوري الحر".


ومن المعروف أن جورج حنين هو الذي طرح فكرة إنشاء جماعة "الفن والحرية"، وهو الذي كتب بيان "يحيا الفن المنحط!". الذي صدر قبل وقت قصير من إعلان الجماعة والذي يستعيد أفكاراً رئيسية وردت في بيان بريتون – تروتسكي. ويذكر ساران أليكسندريان أن جورج حنين هو الذي اختار اسم الجماعة، تجاوباً مع بيان مكسيكو الذي صدر تحت عنوان: "نحو فن ثوري حر".


وقد حدثت ثلاثة تجاوبات مع البيان الأخير:


1- في فرنسا، حيث تشكلت في خريف 1938 شعبة فرنسية للاتحاد الأممي للفن الثوري الحر، أصدرت نشرة شهرية اسمها Clé توقفت بعد العدد الثاني (عدد فبراير 1939)، كما أصدرت – حتى نشوب الحرب العالمية الثانية – العديد من البيانات ضد النازية. وقد أصدر الأعضاء السورياليون في الشعبة بياناً تحت عنوان: "لا لحربكم ولا لسلامكم!" (سبتمبر 1938). وتحت هذا العنوان نفسه صدر البيان الذي أشار الأستاذ أنور كامل إلى أن لطف الله سليمان قد حرره بمناسبة تفجر النزاع العربي – الصهيوني في 1947 – 1948.


2- في المكسيك، حيث تشكلت شعبة مكسيكية للاتحاد المذكور، أصدرت نشرة شهرية اسمها Clave (المفتاح)، كما أصدرت عدداً من البيانات.


3- في مصر، حيث تشكلت جماعة "الفن والحرية" التي لم تكن شعبة للاتحاد المذكور، وإن كانت قد توحدت – من الناحية العملية – مع الدعوة إلى تحرير الابداع الثقافي من التسلط الرسمي. وكانت هذه الجماعة هي أطول الجماعات الثلاث عمراً وأوسعها نشاطاً، حيث أن الجماعة الفرنسية قد عصف بها نشوب الحرب العالمية الثانية واحتلال فرنسا من جانب ألمانيا النازية، بينما عصفت الخلافات الداخلية بالجماعة المكسيكية، خاصة بعد تفجر الخلافات بين دييجو ريبيرا وخوسيه فيريل.


وقد اطلع جورج حنين على بيان "نحو فن ثوري حر" في باريس في أوائل خريف 1938. ولابد أن يكون اتجاه بريتون إلى تأسيس الشعبة الفرنسية للاتحاد الأممي للفن الثوري الحر قد شجع جورج حنين على التفكير في تأسيس جماعة "الفن والحرية".


ومن المعروف أن الاتحاد المذكور لم يكن اتحاداً تروتسكياً كما لم تكن عضويته قاصرة على المبدعين السورياليين، إلا أن الاتحاد – مع ذلك – كان محاولة لتوحيد المبدعين الثوريين المعادين للستالينية من منطلقات مختلفة، وقد وحد في صفوفه مبدعين ماركسيين وفوضويين.


وقد بادر جورج حنين بالعمل على إنشاء جماعة "الفن والحرية" فور عودته من باريس في أواخرعام 1938، بعد أن أشرف على صدور ديوانه الأول: "لا مبررات الوجود".


ويتضح من رسالة بعث بها جورج حنين من القاهرة في ديسمبر 1938 إلى الروائي الواقعي الفرنسي هنري كاليه أن اسم الجماعة وخطط عملها على المدى المباشر قد تحددت في ديسمبر 1938، وهو ما يدل على أن مشاورات جورج حنين مع أنور كامل ورمسيس يونان وكامل التلمساني من أجل تأسيس الجماعة لم تأخذ غير أسبوعين أو ثلاثة أسابيع على الأكثر لكي تصل إلى نتيجة موفقة.


والخلاصة أن ملابسات تكوين جماعة "الفن والحرية" كانت ملابسات مصرية وعالمية في آن واحد. وقد التقت هذه الملابسات في لحظة محددة لكي تؤدي إلى انبثاق ما اعتبره أول تجمع واسع للإنتلجنتسيا الإبداعية اليسارية المصرية المعاصرة.


مارس 1988

البيروقراطية السوفييتية والستالينية المصرية

بشير السباعي


ستالين (الأستاذ)



هنري كورييل (التلميذ)




انبثقت الحركة الشيوعية المصرية إلى الوجود تحت تأثير الغليان الثوري الذي اجتاح العالم شرقاً وغرباً بعد ثورة أكتوبر 1917 في روسيا. وعلى مدار تاريخ الحركة، عبرت مصائرها عن مصائر تلك الثورة. ويتجلى ذلك عبر ثلاث مراحل رئيسية متمايزة.


المرحلة الأولى من علم 1918 إلى عام 1924


شهدت تلك المرحلة ظهور الحلقات الشيوعية الأولى في عدد من مدن مصر الكوزموبوليتية بشكل رئيسي (الإسكندرية، القاهرة، بورسعيد، ...إلخ)، حيث تدافع مثقفون وعمال متقدمون، بينهم نسبة مهمة من الأجانب، إلى تشكيل الحلقات الشيوعية التي تحولت فيما بعد إلى الحزب الشيوعي المصري الأول عبر مسيرة معقدة – وإن كانت قصيرة نسبياً – من الاتحاد مع الإصلاحيين السافرين.


وفي تلك المرحلة، أظهر الحزب الشيوعي المصري الأول تعاطفاً كبيراً مع الثورة البلشفية، وهو تعاطف لم يتحول إلى تمثل عميق لمبادئ الماركسية الثورية أو لخبرة الحزب البلشفي، إذ ظل جانب كبير من كوادر الحزب تحت الهيمنة الفكرية لسنديكالية سوريل ولاجارديل أو لتضامنية نوردو أو لإنسانوية جماعة كلارتيه الفرنسية البورجوازية الصغيرة أو للكوزموبوليتية الماسونية. ولا تدل كتابات الكوادر القيادية للحزب على أنها قد تعلمت شيئاً يذكر من انتقادات قادة الثورة البلشفية لمثل هذه التيارات التي كانت متفشية في صفوف اليسار الفرنسي. وهناك شك أصلاً في أن تكون هذه الكوادر قد اطلعت على هذه الانتقادات.


وعندما نزل القمع البوليسي بهذه الكوادر في عام 1924، تبعثر شمل الحزب الفتي قبل أن تتسنى له فرصة تمثل مبادئ الماركسية الثورية وتحويل تعاطفاته مع مثل الثورة البلشفية إلى اتجاه فكري – سياسي محدد الملامح، وذلك على الرغم من موافقة الحزب – الصورية إلى حد بعيد – على الشروط الـ 21 للالتحاق بالأممية الشيوعية.


وقد ترافق تشتيت شمل الحزب في عام 1924 مع تراجع الحركة العمالية الثورية في الغرب ومع تحييد نفوذ المعارضة اليسارية اللينينية في صفوف الحزب الشيوعي السوفييتي والأممية الشيوعية وتزايد هيمنة الستالينية واستراتيجيتها اليمينية داخل صفوف الحركة الشيوعية العالمية على حساب الماركسية الثورية.


ولم تخلف لنا أدبيات ووثائق الحزب الشيوعي المصري خلال تلك الفترة شيئاً يدل على أن كوادر الحزب كانت على دراية حقيقية بالنزاع الذي نشب منذ عام 1923 داخل صفوف الحزب الشيوعي السوفييتي والأممية الشيوعية بين الستالينية والمعارضة اليسارية حول مسائل تطور الاتحاد السوفييتي والثورة العالمية أو أنها كانت على دراية بالمستوى الذي وصل إليه الانحطاط البيروقراطي للدولة وللحزب في الاتحاد السوفييتي أو بالمغزى الرجعي المضاد للثورة لاستراتيجية ستالين – بوخارين القومية المستترة منذ أكتوبر 1924 تحت ستار بناء الاشتراكية في بلد واحد.


ويمكن تصور أن هذه التطورات الكبرى قد حدثت دون أن تجد صدى يذكر في صفوف الشيوعيين المصريين الذين يبدو أنهم كانوا غارقين بالكامل في المشاكل القومية لحركتهم ومفتقرين لأية منظورات أممية.


المرحلة الثانية من عام 1925 إلى عام 1989


شهدت تلك المرحلة إعادة بناء الحزب الشيوعي المصري في عام 1925 بمبادرة مباشرة من جانب الكومنترن الستاليني وإخضاع الحزب لتسلط الستالينية الفكري والسياسي والتنظيمي. وإذا كان القمع البوليسي الذي نزل بالحزب في عام 1924 قد أجهز على الكوادر القيادية التي ظهرت بين عامي 1918 و1924، فإن ذلك القمع قد ساعد على تسهيل الهيمنة الستالينية على عملية إعادة بناء الحزب، حيث أن الكوادر التي كان يمكن لها أن تدخل، ولو على المدى البعيد، في صدام مع الستالينية حول هذه القضية أو تلك، كانت قد اختفت من مسرح النشاط السياسي.


ومنذ أواسط العشرينيات، جرى إرغام الحزب الشيوعي المصري على تبني السياسيات التي حاولت الستالينية تطبيقها في البلدان المستعمرة وشيه المستعمرة، خاصة الصين، والتي أدت، في عام 1927، إلى هزيمة الثورة الصينية الثانية.


وهكذا، ففي 6 إبريل 1925، أجاز الاجتماع الموسع الخامس للجنة التنفيذية للأممية الشيوعية قراراً عن الموقف السياسي في الهند وإندونيسيا ومصر، دعا الشيوعيين الهنود إلى مواصلة العمل داخل حزب المؤتمر الهندي البورجوازي ودعا الشيوعيين الإندونيسيين إلى حشد الجماهير العريضة خلف حزب ساريكات راكجات وحدد للشيوعيين المصريين هدف العمل من أجل تأسيس حلف موحد مع حزب الوفد الذي أشار إليه القرار بوصفه حزباً قومياً – ثورياً!


يجب أن نتذكر أن هذا الحزب (القومي – الثوري) لم يبد أية مقاومة تجاه حل البرلمان – ذي الأغلبية الوفدية – المنتخب في أوائل عام 1925، والذي تآمر الملك فؤاد الأول مع الإنجليز على تسريحه بعد عشر ساعات فقط من انعقاده!


والحال أن هذا القرار الذي يتعارض على طول الخط مع توجهات المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية (1920) تجاه المسألة القومية والكولونيالية، كان تعبيراً عن سيادة الاستراتيجية المنشفية – الستالينية عن ثورة على مرحلتين: ثورة ديموقراطية بورجوازية من خلال تحالف استراتيجي مع الأحزاب القومية البورجوازية الإصلاحية، ثم ثورة اشتراكية تحدث في مستقبل بعيد.


وغداة وفاة سعد زغلول في عام 1927، أشار الكومنترن الستاليني، في مرثية للزعيم الراحل، إلى أن الموقف والتناقضات في مصر تجعل ديكتاتورية البروليتاريا مدخلاً غير واقعي للتعامل مع مهام الثورة القومية – الديموقراطية، وكأن هذه المهام يمكن أن تنجز من خلال ديكتاتورية ديموقراطية بورجوازية، وهو أمر كان لينين قد استبعده في أبريل 1917 بالنسبة لروسيا ثم أكد على استحالته بوجه عام، في 12 يناير 1918، حيث قال إنه لا يمكن تصور أية ثورة ديموقراطية بشكل منسجم دون ديكتاتورية البروليتاريا.


وخلال فترة الأزمة الاقتصادية – العالمية (1929-1933)، تحولت توجهات الكومنترن الستاليني إلى المغامرة اليسارية، إلى استراتيجية رعناء بشأن ما سمي بالفترة الثالثة التي تجعل شعار دكتاتورية البروليتاريا مدرجًا بشكل فوري – عملي في جدول أعمال جميع الأحزاب الشيوعية، مع نبذ شعار الجبهة العمالية المتحدة واعتبار الاشتراكية – الديموقراطية اشتراكية – فاشية. وقد أدت هذه الاستراتيجية المغامرة إلى تسهيل وصول هتلر إلى الحكم في ألمانيا، أما في مصر فقد أدت إلى ابتعاد الشيوعيين المصريين – المهمشين بما يكفي بالفعل – عن المشاركة في أحداث مايو 1931 الثورية، ثم تخلفوا عن قيادة أي إضراب عمالي خلال الثلاثينيات.


ومع تحول الكومنترن الستاليني إلى اليمين بعد عام 1933- في اتجاه الجبهات الشعبية والجبهات الوطنية – جرى إبلاغ الشيوعيين المصريين مرة أخرى بجوب التحالف مع حزب الوفد. وفي 26 فبراير 1936، دعت أمانة اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية الشيوعيين المصريين المبعثرين إلى تأييد حزب الوفد، وذلك قبل ستة أشهر فقط من توقيع زعيم الحزب المذكور على المعاهدة الأنجلو – مصرية!


وإذا كانت صفحة العلاقات التنظيمية بين الشيوعيين المصريين والكومنترن الستاليني قد انطوت بعد فبراير 1936 أو بعد ذلك التاريخ بوقت قصير، وإذا كان الشيوعيون المصريون قد أبدوا في عدد من المناسبات أشكالاً جزئية من عدم التجاوب مع توجهات الكومنترن، إلا أن هيمنة الستالينية على أغلب فصائل الحركة الشيوعية المصرية في ميلادها الثاني قد بقيت – بل وتعززت – على المستويين الفكري والسياسي.


وسرعان ما تبدت هذه الهيمنة منذ بدايات الميلاد الثاني. ففي فترة معاهدة عام 1939 بين الاتحاد السوفييتي وألمانيا النازية، سكتت العناصر الستالينية عن توجيه النقد إلى الفاشية وقوبل معارضو المعاهدة المذكورة من السورياليين والماركسيين المؤسسين لجماعة (الفن والحرية) بالتنديد من جانب هذه العناصر. وتعرض أحد نقاد المعاهدة الماركسيين ( لطف الله سليمان ) لردود فعل غوغائية من جانب العناصر الستالينية المحتشدة في النادي الديموقراطي.


وفي فترة الحرب العالمية الثانية، خاصة بعد يونيو 1941، تبنى الستالينيون المصريون أكذوبة الحرب من أجل الديموقراطية ولم يميزوا بين حرب الاتحاد السوفييتي المشروعة ضد الغزو النازي والطابع الرجعي العام للحرب بين مختلف القوى الإمبريالية. وفي هذا السياق، قوبلت دعايتهم المضللة بالتحبيذ من جانب البريطانيين والقوى السياسية البورجوازية المصرية المتحالفة معهم، وتخلى الستالينيون المصريون عن مساعدة الحركة الجماهيرية القومية العفوية المناوئة للاستعمار البريطاني على اتخاذ التوجهات المناسبة. ومن الناحية العملية، فإن أغلب فصائل الحركة الشيوعية المصرية قد أجلت الكفاح المعادي للإنجليز إلى أواخر الحرب، استرشادًا بالاستراتيجية الستالينية خلال فترة الحرب العالمية الثانية والتي مالت إلى اعتبار الحركات القومية – التحررية في المستعمرات وأشباه المستعمرات الإنجليزية حركات مخربة للمجهود الحربي للحلفاء!


وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية واشتد ساعد الحركة القومية – التحررية المصرية حرصت الفصائل الستالينية على التمسك باستراتيجية ستالين المنشفية عن ثورة على مرحلتين، تورطت في مختلف التحالفات مع القوى السياسية البورجوازية والبورجوازية الصغيرة القومية على أساس منظورات بورجوازية قومية.


وعندما تفجرت المسألة الفلسطينية في 1947 – 1948، بررت أغلب هذه الفصائل مواقف البيروقراطية السوفييتية تجاه النزاع في فلسطين، كما بررت اعتراف الأخيرة بالدولة الصهيونية، الأمر الذي وجه ضربة قاسية إلى مجمل اليسار.


واعتباراً من مؤتمر باندونج وعقد صفقة الأسلحة المصرية – التشيكية في عام 1955، انخرطت فصائل الحركة الستالينية المصرية في مسيرة سياسية معقدة جرتها إلى السير في ذيل الناصرية ثم، في نهاية الأمر، إلى حل هياكلها التنظيمية والاندراج في مهمة تحقيق هيمنة الناصرية الإيديولوجية والسياسية باسم الدفاع عن التطور اللارأسمالي الذي روج له الإيديولوجيون السوفييت.


وعلى مدار الفترة الممتدة من عام 1925 إلى 1965، دافعت أغلب فصائل الحركة الشيوعية المصرية عن التسلط البيروقراطي داخل الاتحاد السوفييتي وصورت تجربة روسيا الستالينية في صورة الاشتراكية وطابقت بين دكتاتورية البيروقراطية ودكتاتورية البروليتاريا وشجبت المعارضة اليسارية في الاتحاد السوفييتي واندرجت في كورس الافتراءات الستالينية ضد البلاشفة الذين أعدموا خلال الثلاثينيات وشجبت الانتفاضات العمالية المضادة للبيروقراطية في ألمانيا الشرقية في عام 1953 وفي بولندا والمجر في عام 1956 بوصفها حركات مضادة للثورة، وبررت التدابير القمعية التي اتخذتها البيروقراطية الستالينية ضد تلك الانتفاضات، ومن هذه الزاوية، ساعدت على تزييف وعي الجماهير.


ومع الميلاد الثالث للحركة الشيوعية المصرية، وعلى الرغم من درجات الاستقلال الذي أبدته فصائل داخل هذه الحركة تجاه البيروقراطية السوفييتية، فإن الفصائل الرئيسية داخل هذه الحركة لم تعلن قط القطيعة مع الستالينية ولم تتحول إلى مواقع الماركسية الثورية ودافعت في أكثر من مناسبة عن سياسيات غادرة عديدة للبيروقراطية السوفييتية ولم تثر الشك ولو مرة واحدة في "اشتراكية" النموذج البيروقراطي.


المرحلة الثالثة من عام 1989


بدأت هذه المرحلة مع تفجر أزمة النموذج البيروقراطي في الاتحاد السوفييتي ومع السقوط المتسارع للدكتاتوريات الستالينية في عدد من دول أوروبا الشرقية.


وحيث أن الستالينيين المصريين لم يكونوا مسلحين بأية أفكار ماركسية عن أزمة الدول المتدهورة بيروقراطياً، فإن هذه المرحلة تعتبر مرحلة صدمة مريرة ذات مقاييس جسيمة.


إن مانشهده الآن بين صفوفهم هو تعبيرات مختلفة عن وصول أزمة الستالينية المصرية إلى ذروتها.


وأول ما نشهده، هو تلك القراءة الزائقة لمجمل تاريخ الماركسية ومصائر ثورة أكتوبر والحركة العمالية العالمية والرأسمالية المعاصرة.


فهناك من يتحدث الآن بشكل سافر عن فوات أوان الماركسية وعن يوتوبية التوقعات الماركسية عن مجتمع المستقبل. وهناك من يتحدث عن قدرات الرأسمالية غير المحدودة على البقاء وعلى توفير الحريات السياسية والحقوق الإنسانية ومستويات معيشية عالية بالنسبة لغالبية السكان.


وهناك من يردد مع جورباتشوف أن البيروسترويكا ليست غير تجديد للاشتراكية، وهناك من يعلن أن ثورة أكتوبر كانت تمرداً إرادياً مغامراً على قوانين التطور الاجتماعي، وهناك من يحاول اختلاق تحليل "ماركسي" لأزمة الدول المتدهورة بيروقراطياً منفصل عن مجمل التراث الماركسي الناقد للديكتاتورية البيروقراطية ومعارض لاستنتاجاته الاستراتيجية والبرنامجية، إلخ.


والحال أن كل هذه المواقف والرؤى ليست أقل من عجز كامل عن استيعاب مغزى الانقلابات الاجتماعية والسياسية الكبرى المعاصرة، وهو عجز ناشيء عن افتقار الستالينيين المصريين المزمن إلى بوصلة الماركسية الثورية التي حرمتهم من الاهتداء بها تصالحاتهم الجوهرية مع الأمر الواقع والتي جرتهم إلى التكيف مع إيديولوجية وسياسات البيروقراطية السوفييتية.


ومن المؤكد أن الجورباتشوفية لن تكون مخرجاً من الأزمة.


يناير 1991

الماركسية ولاهوت الدولة

بشير السباعي


أما وأن الدكتور غالي شكري قد صدق الحكمة الرائجة التي تتحدث عن "نهاية الماركسية" فسوف يكون من العبث أن ندعوه إلى تذكر أن جان جاك روسو (1712-1778) وماكسميليان روبسبيير (1758-1794) لا يتحملان المسئولية عن الهذيان المهدوي الذي دفع بونابرت (1769-1821) إلى الادعاء أمام مشايخ الأزهر أنه الرسول الذي جاء ليتمم رسالة نبي الإسلام، ولا إلى تذكر أن "البيان الشيوعي" قد كتب في عشية ثورة 1848 وليس في عشية التاسع من ثيرميدور من العام السادس لثورة أكتوبر!


لكن من الواضح، على أية حال، أن فيلسوف العقد الاجتماعي ليس هو الأب الشرعي لانقلاب برومير (نوفمبر 1799) ولا لإعلان الامبراطورية من جانب الكورسيكي الذي كان، يوماً ما، تلميذاً لروسو وجندياً من جنود الثورة والجمهورية. كما أن من الواضح، بالمثل، أن ماركس (1818-1883)، الذي كتب "مساهمة في نقد فلسفة الحق الهيجيلية"، ليس هو الأب الشرعي للبيروقراطية الستالينية التي أنجبها، بين عوامل أخرى، تخلف روسيا وتراجع الثورة الأوروبية.


والحال أن الفيلسوف الألماني للثورة العالمية كان قد كتب في عام 1843 ما يلي: "إن شكلانية الدولة، وهي ما تمثله البيروقراطية، هي الدولة بوصفها شكلانية. وقد وصفها هيجل بأنها شكلانية كهذه بالتحديد. ولأن شكلانية الدولة هذه تصوغ نفسها بوصفها سلطة واقعية وتصبح هي نفسها محتوى نفسها المادي، فمن الواضح أن البيروقراطية غشاء لوهم عملي، أو أنها وهم الدولة. إن العقل البيروقراطي هو عقل يسوعي و لاهوتي حتى النخاع. والبيروقراطيون هم يسوعيو ولاهوتيو الدولة. والبيروقراطية هي الجمهورية الكاهن".


ومن الصعب على المرء ألاَّ يتذكر هذه الفقرة عند قراءة مقال الدكتور غالي شكري المنشور في عدد يونيو 1993 من مجلة "القاهرة"، حيث يتحدث الكاتب، دون تردد، عن "كهنة الماركسية وأحبارها من جدانوف إلى سوسلوف"، بدلاً من أن يعترف بالواقع التاريخي والذي يتمثل في أن هؤلاء كانوا مجرد ديماجوجيين كرسوا لاهوتهم الستاليني البائس للدفاع عن الامتيازات الواقعية للبيروقراطية التي ينتمون إليها وليس للدفاع عن "طهارة" الماركسية، التي يعرف كل مثقف نزيه أنها قد تعرضت لأسوأ كبت عرفه التاريخ المعاصر على أيدي مثل هؤلاء الديماجوجيين بالتحديد.


وتستوقف القارئ أحكام وإشارات مثيرة أخرى:


* مثلاً، ليس صحيحاً بالمرة أن جوركي (1868-1936) كان من "كبار المؤمنين" بالماركسية أو باللينينية. فبعد هزيمة الثورة الروسية الأولى (1905-1907)، تحالف مع الكاتب المعروف أناتولي لوناتشارسكي (1875-1933) الذي راح يدعو إلى تحويل الاشتراكية إلى دين للفقراء وفكر جدياً في ابتداع شعائر لهذا الدين، وهو تحالف قاد إلى خلاف عميق بين الأديب الروسي ولينين (1870-1924) الذي لم يتسامح مع استسلام الرجل لتيار التصوف الذي استولى على شرائح من الإنتلجنتسيا الروسية في سنوات الرجعية (1908-1912) والذي أنتج رواية جوركي، "الاعتراف". ثم إن رحيل جوركي عن روسيا في عام 1921 لم يكن بسبب استياء الأديب الروسي من تحويل مزعوم للماركسية إلى عقيدة للدولة وللمجتمع (في ذلك الوقت، لم يُشر إلى الماركسية في دستور الحزب نفسه!) بل كان بسبب رغبته المستحيلة في أن يرى ثورة دون "اضطراب" ودون حرب أهلية ودون مساس بعدد من المثقفين حتى لو كانوا من جنود الثورة المضادة الفاعلين، وهو ما أزعج لينين كثيراً ودفعه إلى تسهيل رحيل جوركي إلى الخارج حيث راح يصب اللعنات على الثورة بلا حساب. وعندما عاد الأخير إلى روسيا بصفة دائمة في عام 1931، ارتاح إلى صيغ الستالينية القومية، واستسلم لوهم أن ازدهار "الثقافة" يمكن أن يسير يداً بيد مع "الاستبداد المستنير" وهو استسلام عرفت الانتلجنتسيا المصرية مثيلاً له خلال العهد الناصري! (1).


* ومثلاً، ليس صحيحاً أن تروتسكي (1879-1940) قد "اختار المنفى البعيد ولكنهم طاردوه حتى طالوه برصاصة واحده"، فقد نفى الرجل مجبراً إلى تركيا في عام 1929، ثم جُرد من جنسيته السوفييتية، وفي نهاية الأمر، لم يجد ملاذاً إلا في المكسيك في زمن تأميم مصالح النفط الأمريكية حيث طالوه – بالمناسبة – بضربة بلطة وليس برصاصة! (من المثير أن الناقد الأدبي المعروف لا يعرف سيرة – ناهيك عن أفكار – الرجل الذي لم يفت ت. س. إليوت ولا إيدموند ويلسون الإشادة بإسهاماته في مجال النقد الأدبي، والذي ترك لنا كتابات جد مهمة عن الأدب الروسي وعن الأدب الفرنسي..).


* ومثلاً، ليس صحيحاً بالمرة أن "خروشوف كان أول من فضح المكبوت فزعزع أركان الستالينية" إذ لا يمكن المماراة في أن تروتسكي، صاحب "مدرسة التزييف الستالينية" (1932) وصاحب "الثورة المغدورة" (1937)، كان هو ورفاقه أول من فضح المكبوت، وقد فعلوا ذلك من منظور ماركسي وبشكل منهجي، وليس بشكل غوغائي ومن منظور الدفاع عن المصالح الإجمالية للبيروقراطية، كما فعل خروشوف، شريك ستالين (1879-1953) في جرائمه منذ الثلاثينيات!


والحال أن الدكتور غالي شكري يدين اللاهوت الذي يحكم من غير قراءة أوراق المحكوم عليه، إلا أنه لا يبدو أنه قد نجا هو نفسه من مثل هذه الممارسة، فقد غابت عنه أوراق الماركسية وأوراق الثورة الروسية، وأصدر حكماً هو أكثر بلاغة في تصوير تحيزات "القاضي".


1993


---------------


(1) حول جوركي ولوناتشارسكي، ارجع إلى :ليون تروتسكي: بورتريهات سياسية وشخصية، نيويورك، 1977 (بالإنجليزية).

الإخوان المسلمون



باجرات سيرانيان
ترجمه عن الروسية بشير السباعي



عشية الحرب العالمية الثانية، بدأت الجمعيات والجماعات القومية الإسلامية من النوع الشمولي – الاستبدادي تلعب دوراً هاماً ومتزايداً باطراد في الساحة السياسية المصرية. وفي فترة فرض ديكتاتورية أوساط السراي وبفضل دعم قادتها على وجه التحديد نالت هذه القوى حق المواطنة في الحياة الاجتماعية للبلاد.


وكانت جماعة علي ماهر، التي يدعمها الملك، ذات دائرة ضيقة جداً من الأنصار. وقد رأى ماهر في المنظمات القومية الإسلامية تلك القوة التي يمكن أن تكفل له دعماً جماهيرياً أكبر، وكان أول رئيس وزراء مصري يقدر عن جدارة دورها ومكانها في الحياة الاجتماعية للبلاد، وروحها الإسلامية الكفاحية، وقدرتها على التأثير على الجماهير الشعبية.


إلا أنه من الخطأ تفسير سبب ظهور الجماعات الإسلامية – القومية بمجرد الدوافع الذاتية الخالصة. فتحول المنظمات الاستبدادية – الإسلامية إلى قوة يحسب حسابها قد نشأ عن مجموعة كاملة من العوامل الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية.


إن ثمار تطور مصر الاقتصادي في العشرينيات والثلاثينيات قد جناها بشكل رئيسي الأوروبيون والمشارقة، الذين كانوا يسيطرون على الاقتصاد. أما المعدلات العالية نسبياً للتحضر فلم يواكبها تحسن ملحوظ في الوضع الاقتصادي لشغيلة المدن، مما ولد السخط العميق على الطبقات السائدة. كما أن عدم فعالية الديموقراطية البرلمانية من النمط الغربي، والتي فرضت على مصر، كان له أهمية غير قليلة. فالنظام الحزبي – البرلماني الغربي في شكله الكاريكاتوري، الذي وجد به في مصر، كان من البداية جسماً غريباً فيها.


كما نشأت عن الأزمة العميقة للنظام الحزبي – البرلماني خيبة أمل قوية لدى الجماهير الشعبية تجاه الأحزاب السياسية، خاصة حزب الوفد.


لقد انغمس الوفد وأحزاب "الأقلية" في صراع أناني وحقير على المقاعد البرلمانية والمناصب الوزارية، وعلى الامتيازات والفوائد الاقتصادية، وعجزت بصورة مطلقة عن حل المهمات القومية الرئيسية. فنشأت وما انفكت تتسع هوة تفصل الأحزاب السياسية عن الطبقات الكادحة وأخذت تشغل الفراغ السياسي الناشيء جماعات إسلامية – قومية، وبعد بضع سنوات - جنباً إلى جنب معها – جماعات ماركسية وشيوعية ومنظمات ديموقراطية يسارية أخرى.


ولم يكن هناك مفر من سقوط البرلمانية الغربية. وجنباً إلى جنب مع إفلاس قوميي "الحرس القديم"، الذين كانوا يجسدون الاتجاه الغربي في القومية المصرية، فقدت مذاهبهم أيضاً أهميتها.


وفي أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات انتعش في مصر الاهتمام بالإسلام، خاصة فيما يتعلق بتطبيق مبادئه في حل المسائل السياسية الملحة. ومن المعروف أن التيار الإسلامي في القومية المصرية لم ينقطع قط (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا)، على أن أنصار الغرب قد سيطروا في الحياة السياسية حتى 1936 – 1937. إن السعي إلى إعادة النظر في القومية المصرية الخالصة وإلى توسيعها (ذاتياً) في نزعة قومية عربية قد دفع أيديولوجيي التوحيد العربي إلى التوجه إلى عقيدة الإسلام، وإلى تقاليده الثقافية (مع إعطاء أهمية خاصة للغة العربية)، أي إلى كل ما من شأنه تأكيد وتعزيز أفكارهم. لكن ذلك وحده لم يكن كافياً. إن تبدد الآمال المعلقة على معاهدة 1936 قد أدى إلى نمو سريع للميول المعادية للغرب في مصر، وعزز النضال ضد النفوذ الأوروبي في كل مجالات الحياة الاجتماعية. ويشير هيوارث - ديون إلى أن "الجماعات الإسلامية قد تميزت بميل إلى التغلغل والنجاح في تلك البلدان التي توجد فيها ميول قوية معادية للغرب".


والحال أن أزمة الديموقراطية البورجوازية والاتجاه الغربي المواكب لها في القومية المصرية قد ساعدت على النمو السريع للجماعات الإسلامية، التي مثلت التيار المعادي للغرب والتوحيدي الإسلامي والتوحيدي العربي في القومية المصرية.


* * *


ومن بين كل المنظمات القومية الإسلامية كان النفوذ الأوسع من نصيب جمعية الإخوان المسلمين، التي تأسست في أبريل 1929 على يد الشيخ المدرس حسن البنا في الإسماعيلية.


وقد اهتمت الجمعية في المرحلة الأولى (1929 – 1936) بالنشاط الديني والخيري أساساً. وفي عام 1934 انتقل مركز الجمعية إلى القاهرة. وبحلول عام 1936، كانت قد تحولت إلى منظمة سياسية – دينية قوية.


وقد أجاد البنا استغلال التوترات التي حدثت في فلسطين، والتي تحولت فيما بعد إلى انتفاضة من جانب العرب الفلسطينيين في 1937 – 1939، من أجل تدعيم المنظمة. فقد نظمت الجمعية حملة تضامن إسلامي واسعة معادية للبريطانيين ودفاعاً عن العرب الفلسطينيين. ومن خلال فروعها في مختلف أجزاء البلاد قامت بجمع التبرعات من أجل العرب الفلسطينيين ولقي نشاط الجمعية وقائدها تقديراً حماسياً من جانب مفتي القدس القوي الحاج أمين الحسيني، الذي أقام معه البنا صلات وثيقة ومتميزة بالثقة.


ومنذ ذلك الحين (وحتى عام 1940) توافرت ظروف مناسبة جداً للنمو التالي للمنظمة. واجتذب البنا انتباه على ماهر وعبد الرحمن عزام. وقد عملا بكل الوسائل على اجتذاب الإخوان المسلمين إدراكاً منهما للإمكانيات الضخمة التي تحتويها منظمة إسلامية كفاحية جيدة التنظيم في ظروف مصر. وتشهد المعطيات التالية على النمو الملحوظ للجمعية: فإذا كانت فروعها في عام 1934 قد وصلت إلى 50 فرعاً في مختلف أجزاء البلاد، فإن عددها وصل في عام 1939 إلى 500 فرع.


وفي عام 1937، كانت الجمعية قد تميزت بصورة ملحوظة من بين الجماعات الإسلامية – القومية الأخرى المنافسة لها وكسبت الصدارة بينها: لقد تحولت إلى منظمة جماهيرية ذات هيكل راسخ ومستقر، وعلى رأسها زعيم بارز. وبفضل الصلات الوثيقة بين علي ماهر والبلاط، حصل البنا منهما على مساعدة مالية وتمتع بحماية البوليس. وكانت له صلات مع صالح حرب وعبد الرحمن عزام وعزيز المصري الذين كانوا يريدون استخدام كل التجمعات الإسلامية – القومية، خاصة "الإخوان المسلمين" في تحقيق مآربهم.


وفي سنوات الحرب العالمية الثانية تسنى للمنظمة، بفضل سياسة مرنة بصورة غير عادية، ليس فقط صون صفوفها، بل وتوسيعها وتعزيزها بصورة ملحوظة. إن "الإخوان المسلمين"، شأنهم في ذلك شأن المنظمات والجماعات الإسلامية الأخرى، قد عبَّروا بشكل سافر عن تعاطفاتهم المؤيدة للنازيين وتنبأوا بهزيمة سريعة لبريطانيا العظمى.


وكان البنا يدرس دائماً بعناية طابع كل وزارة جديدة. فلو كانت تقف على رأسها شخصية قوية، كانت الموضوعات الدينية تهيمن في بياناته، أما إذا كان رئيس الوزراء شخصاً ضعيفاً ومهزوزاً، تميزت خُطبه بطابع سياسي أساساً. وقد قامت الجمعية بحملة سياسية حادة بوجه خاص في فترة حكم وزارة سري (نوفمبر 1940 – فبراير 1942). وقد طالب "الإخوان المسلمون" بعودة علي ماهر وزملائه إلى السلطة.


وفي منتصف مايو 1941، بناء على الأحكام العرفية، تم احتجاز زعيمي الجمعية – البنا وأحمد السكري، جنباً إلى جنب مع مجموعة من الشخصيات "الخطرة" من الناحية السياسية. إلا أن السلطات اضطرت إلى الإفراج عنهما في غضون بضعة أيام تحت ضغط قوي من جانب الإخوان المسلمين والمنظمات المتعاونة معهم. ونقل البنا إلى العمل في صعيد مصر. على أنه سرعان ما أدت موجة احتجاجات جديدة إلى إرغام الحكومة على التخلي عن هذا القرار أيضاً. وقد تحولت عودة "المرشد العام" إلى القاهرة إلى استقبال مهيب، مما شهد على الشعبية المتزايدة للجمعية ولزعيمها.


وبعد انتهاء الأزمة السياسية الحادة في فبراير 1942 ووصول الوفديين إلى الحكم جرى شن حملة كبيرة للقضاء على ما سمي بـ "الطابور الخامس" المصري. على أن الجمعية و"المرشد العام" لها لم يمسهما شيء هذه المرة أيضاً. وقد ارتاح النحاس إلى تعهد البنا بأنه سوف يؤيد سياسة الوفد. وقد ارتأى زعيم الوفديين إحباط "دسائس السراي ضده" بمساعدة الإخوان المسلمين، إلى جانب استخدامهم كثقل مضاد للحركة الديموقراطية العامة والعمالية المتنامية. وحسب تعبير هاريس، فإن الجمعية قد طبقت سياسة "تأييد سلبي للوفد". وقد تمسك البنا بتاكتيك انتظاري، آملاً في أوقات أفضل. وكان تعاونه مع النحاس بحكم طابعه "هدنة، أكثر من كونه إنهاء للحرب".


وبعد خروج وزارة النحاس من الحكم (8 أكتوبر 1944)، سارع قادة الجمعية إلى تحويل توجههم. فقد بدلوا موقفهم من الوفد ودخلوا في تحالف مع كتلة السعديين والأحرار الدستوريين وانضموا إلى جوقة الإدانة العامة لسياسة النحاس وحزبه. ولم يتمزق هذا التحالف حتى بعد الحادث الذي خيم بشكل ثقيل على علاقاتهم، عندما اغتيل أحمد ماهر، رئيس الوزراء، في فبراير 1945. لقد قبض على "المرشد العام" والأمين العام لـ "الإخوان المسلمين" بتهمة التواطؤ، إلا أنه سرعان ما تم الإفراج عنهما.


ولم يستغل حزب "الكتاب الأسود" الذي أصدره مكرم عبيد، بالدرجة التي استغلته بها الجمعية، من أجل التشهير بالوفد، وقد اندرجت الحملة المناوئة للوفد، والتي شنها الإخوان المسلمون، في مخطط تقويض النظام الحزبي بوجه عام.


* * *


من حيث هيكلها التنظيمي، كانت الجمعية تشبه، من ناحية، الأحزاب الاستبدادية – الشمولية المعاصرة ذات المركزية الصارمة والدور الخاص للزعيم، مع شبكة كبيرة من الشُّعَب المحلية تحت قيادة قادة معينين من المركز، ومع تنظيم كتائب شبه عسكرية، وفصائل جوالة، وأندية رياضية وما إلى ذلك، ومن ناحية أخرى، كانت تشبه الفرق الإسلامية السرية والشيع الإصلاحية مع وجوب انصياع كل أعضاء المنظمة لعقيدة دينية محددة والتمييز الصارم بين الأعضاء "السريين" و"غير السريين"، والتصوف، وعناصر من النزعة المهدية، وما إلى ذلك.


وكان المرشد العام يقود المنظمة بمعاونة مكتب إرشاد عام مؤلف من 11 شخصاً، وكان المكتب يحل المسائل الأكثر أهمية باسم المرشد العام. أما المستوى التالي فقد مثلته الهيئة التأسيسية، المؤلفة من 150 شخصاً. وكان مكتب الإرشاد العام يُنتخب كل سنة من جانب الهيئة التأسيسية، أما المرشد العام فكان يُنتخب بدوره لمدة سنتين من جانب مكتب الإرشاد العام وكان المرشد العام هو العضو الثاني عشر والقيادي فيه، وكان يتعين الحصول على إقرار الهيئة التأسيسية لاختياره. إلا أنه يجب ملاحظة أن الهيكل الموصوف لم يتحدد بصورة نهائية إلا بعد موت البنا. ففي حياة مؤسس الجمعية لم يكن مكتب الإرشاد العام يُنتخب من الناحية العملية، بل كان يُعيَّن من جانب المرشد العام، الأمر الذي جعل سلطة الزعيم حاسمة.

وكانت تلي ذلك عشرة مكاتب إدارية: مكتب للقاهرة، ومكتب للإسكندرية، وأربعة مكاتب للوجه البحري، وأربعة مكاتب للصعيد. وكانت تخضع للمكاتب الإدارية فروع الجمعية في المناطق، التي كانت تخضع لها بدورها الشُّعَب الأساسية.

وكان مكتب الإرشاد العام هو الذي يعين قادة المكاتب الإدارية وفروع المناطق والشُّعب. وكان يتعين على كل شعبة أن تلتزم التزاماً صارماً بالتعليمات الصادرة من أعلى.


وقد لعبت الأمانة دوراً هاماً في الهيكل التنظيمي للجمعية، وكان مكتب الإرشاد العام يتبعها مباشرة. وكانت الأمانة تقدم التقارير عن نشاط فروع المناطق والشُّعب المحلية وتسيطر على عملها.


* * *


لقد ظهرت إيديولوجية "الإخوان المسلمين" كاحتجاج على تسلط الأجانب ونفوذ الغرب المتزايد في شتى مجالات الحياة المصرية، وعلى تحديث الإسلام، وكانت المهمة الرئيسية بالنسبة إليها تتمثل في صون، وحماية، وتنقية الإسلام والمجتمع الإسلامي من التأثير الأجنبي.


وفي رسالته إلى رؤساء الدول الإسلامية (بمن فيهم ملك مصر)، والموجهة إليهم في خريف 1936، صاغ البنا لأول مرة عقيدة الجمعية بهذه الدرجة أو تلك من الاكتمال. لقد وجه في هذه الوثيقة نقداً بالغ الحدة لكل الحضارة الغربية وسعى إلى إظهار تفوق الإسلام عليها. وأعلن المرشد العام أن سبب الوضع التعس للبلدان الإسلامية وجميع عللها الاجتماعية هو السيطرة الأجنبية ورغبة أوروبا المسيحية في أن تفرض عليها حضارتها وثقافتها. وفي رأي البنا، ليست الحضارة الغربية، بل و"طريقة التفكير الغربية" نفسها، غير جسم غريب بالنسبة للعالم الإسلامي، ولذا فإن طريق الإسلام يجب إيثاره على "طريق" الحضارة الغربية "المنحط"، وكذلك "القومية الإقليمية" العلمانية (التي تعتبر هي أيضاً نتيجة لتأثير الغرب). فالإسلام "قادر" تماماً "على تلبية حاجات الأمة، المبادرة باتخاذ خطوة واسعة إلى الأمام"؛ والقرآن وحده هو الذي يمكن أن يصبح تلك الوسيلة القادرة على "إنقاذ العالم المضطهد والعليل".


وقد أكد البنا أن الفكر الاجتماعي – السياسي والفلسفي المعاصر لا يستطيع إشباع حاجات المسلمين، لأنه قد صيغ في الإسلام قبل قرونٍ عديدة (وبشكل أيسر وأسهل) كل ما تدعو إليه أكثر تيارات الحاضر الاجتماعية تبايناً (الشيوعية، الاشتراكية، الرأسمالية، الفاشية، إلخ)، بحيث أن المسلم "يملك كل هذا بل وأكثر".


وكان المرشد العام يحب الإشارة إلى شمولية الإسلام، الذي يستوعب بصورة مطلقة كل جوانب النشاط الإنساني. و"هو لهذا يعتبر عقيدة وعبادة، ووطناً وواجب مواطنة، وديناً ودولة، وتديناً وأخلاقاً، وقرآناً وسيفاً".


وقد أشار البنا دائماً إلى أن "جمعية الإخوان المسلمين ليست حركة سياسية، ولا طريقة صوفية، ولا جمعية خيرية، ولا نادياً رياضياً، ولا مؤسسة تجارية، بل جمعية إسلامية، مهمتها – تربية الجيل الجديد بالصورة التي تجعله قادراً على فهم الإسلام الحقيقي .. إن الإخوان المسلمين عقيدة وأمة".


وقد تمثلت إحدى السمات المميزة الرئيسية للجمعية في استخدامها للإسلام في أغراض سياسية. ومن الناحية النظرية، كان الإخوان المسلمون يفسرون ذلك على النحو التالي: بما أن الإسلام يستوعب كل أشكال النشاط الإنساني، فالسياسة تعتبر جزءاً لا يتجزأ من نظرية وبرنامج الجمعية.


لقد كانت عقيدة الجماعة وهيكلها التنظيمي موجهان بالكامل نحو فرض الهيمنة الكاملة للدين على الدولة وذوبانها في الإسلام. وقد رأى البنا أن إحياء مجد الإسلام وعظمته الغابرة لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق العودة إلى أصوله وبعث نقاء تعاليمه وأخلاقه وصرامتها التطهرية. ولكونه حنبلياً متشدداً (شأنه في ذلك شأن مؤسس الوهابية)، فقد أعلن أن المصادر الوحيدة لعقيدته هي القرآن والسنة والسيرة، ودعا إلى التمسك بحروف القرآن والسنة. ومن أجل هذا يلزم قبل كل شيء القضاء على "طريقة التفكير الغربية" وتنقية الإيمان الديني والممارسة الدينية بشكل شديد الحزم من البدع الغربية الفاسدة. وقد دعا إلى إضفاء الروح الإسلامية على جهاز الدولة، أي نشر روح الإسلام بين الموظفين الحكوميين. كما أنه يجب تكييف القانون والقضاء مع الشريعة.


وكان المرشد العام ناقداً شديد الحدة للنظام الحزبي، حيث يعتبره أحد أسباب الوضع التعس للبلاد. (بل إنه قد ابتدع مصطلحاً خاصاً هو "وطنية الأحزاب"، التي اعتبرها من المحرمات). وقد أشار إلى أن وجود الأحزاب السياسية يتعارض مع الطابع التوحيدي للإسلام وينتهك مبادئ القرآن، الذي يوصي المؤمنين بالتعاون وبأن يكونوا إخوة.
وبهذا الشكل، فإن مجمل روح مذهب الجمعية كان موجهاً نحو القضاء على شكل الحكم الدستوري الذي كان قائماً آنذاك.
وقد رأى البنا أن من اللازم تماماً إنشاء جيش قوي، لأن "يقظة الأمة" تتوقف على مثل هذا الجيش، ويجب لهذا الجيش أن يتألف من أناس فتيان وأصحاء (جسماً وروحاً) مفعمين بفكرة الجهاد الإسلامية. وقد دعا المرشد العام إلى تطهير الأخلاق الاجتماعية من التأثير الغربي "الوبيل" وتحريم المشروبات الكحولية، والعقاقير المخدرة، والدعارة، والقضاء على الخيانة الزوجية، وإغلاق الأندية الليلية، وصالات القمار والرقص، وفرض الرقابة على العروض المسرحية، والأفلام والبرامج الإذاعية، والأغاني والمحاضرات، والصحف، وطالب بتطبيق العقاب على كل أولئك الذين لا يراعون المُحَرَّمات، وكذلك الصوم والصلاة.


وكان برنامج "الإخوان المسلمين" الاجتماعي – الاقتصادي منسجماً مع نفسه بما يكفي ومفهوماً من الجماهير، مما كان أحد أسباب نجاحات الجمعية. وقد شغلت مكاناً واسعاً فيه بيانات عن تنمية الصناعة القومية، وإحلال السلع المصرية محل السلع الأجنبية، وتحسين شبكة الخدمات الصحية، ورفع مستوى معيشة الفلاحين والعمال، وتقديم العون للعمال في رفع ثقافتهم وتأهيلهم وما إلى ذلك. أما فيما يتعلق بمصائر البنوك والشركات والمشروعات الأجنبية، فإن برنامج الجمعية في هذه المسألة لا يصمد للنقد حتى من زاوية عقيدتها الخاصة. ولم يعلن إلا في صيغة عامة للغاية سوى أن الشعب يجب حمايته من الشركات الاحتكارية أو أن المشروعات الأجنبية يجب أن تخدم بصورة رئيسية المصالح القومية للبلاد. ويترتب على ذلك أن البنا كان مؤيداً للإبقاء على المشروعات الأجنبية في مصر، مما لا يتماشى مع الروح العامة لعقيدته ومما يشهد على صلاته مع الطبقة الحاكمة. وفي مقابل ذلك، فإنه قد وجه انتباهاً كثيراً إلى شجب "الأرباح، المأخوذة على شكل فائدة على رأس المال"، ووصف ذلك بأنه ربا.


وسعياً إلى اجتذاب تعاطف الجماهير الشعبية، كان المرشد العام يطرح أحياناً مطالب "ثوروية". وهكذا، ففي أوائل عام 1948، نشر وثيقة، قال فيها أن الثروة يجب أن لا تكون حكراً لطبقة واحدة، حيث أن ذلك يتعارض مع مبادئ الإسلام، وقد أشار إلى أن الإسلام يقف ضد نظام "الإقطاع الرأسمالي" الحالي، الذي يسمح بحق غير محدود في الملكية، كما يقف ضد "الشيوعية الملحدة "التي" تملك الدولة كل الأرض" في ظلها. وقد أشار إلى أن الحل الصحيح للمسألة يوجد في منتصف الطريق بين الرأسمالية والشيوعية: إذ يجب أن يملك كل فلاح تلك المساحة من الأرض التي يمكنه فلاحتها بنفسه، أما الفائض من الأرض فيجب توزيعه بصورة مجانية على الفلاحين المعدمين. وقد وجد كلام البنا هذا صدىً واسعاً في البلاد بحيث أن المفتي رأى أن يصدر فتوى خاصة دافع فيها، بوصفه ممثلاً للطبقات السائدة، عن النظام الرأسمالي وخاصةً شرعية النظام القائم لملكية الأرض. وفي هذه المسألة ظهرت بشكل واضح وجهتا نظر متعارضتان في المسألة الزراعية في مصر.


أما إلى أي مدى سعت الجمعية بإخلاص إلى حل المسألة الزراعية لمصلحة الفلاحين، فذلك ما تبينه حقيقة أنه بعد أربع سنوات ونصف طالب زعيم آخر للإخوان المسلمين، هو حسن الهضيبي، بجعل الحد الأقصى لملكية الأرض.. خمسمائة فدان. وقد دل هذا الموقف الذي لم يكن عرضياً بالمرة على أن قيادة الجمعية قد تطورت في اتجاه اليمين ومالت بشكلٍ مُطَّرِد مع الرجعية المصرية.


ومثل هذا الانعدام للانسجام لم يكن يزعج قيادة الجمعية: ذلك أن كل المسلمين، حسب رأي البنا، إخوة، بصرف النظر عن الانتماء الطبقي والقومي. وبناء على ذلك أيضاً فإن الموقف من ملاك المشروعات المسلمين، من ناحية، ومن ملاك المشروعات المسيحيين واليهود، من ناحية أخرى، كان متعارضاً بصورة جذرية. فقد أيدت الجمعية كبار ملاك الأرض والرأسماليين، متى كانوا مسلمين. وهكذا، فإن الإخوان المسلمين قد اتخذوا موقفاً يتميز بالتعاطف تجاه واحد من أغنى الناس في مصر، هو أحمد عبود، صاحب مصانع السكر الكبرى، وتجاه الحاج محمد سالم، الصناعي الكبير، لمجرد أنهما مسلمين.


وقد اجتمعت القومية المصرية لدى الإخوان المسلمين مع نزعة الجامعة العربية. فقد رأوا أن العالم العربي قد جزأته الدول الإمبريالية بصورة مصطنعة. وفي نهاية الأمر، أكد البنا، بوصفه تلميذاً حقيقياً لجمال الدين الأفغاني، الإيديولوجي الأول لنزعة الجامعة الإسلامية، أن كل المسلمين يجب أن يتحدوا، وذلك لتعزيز العالم الإسلامي ولإعادته إلى عظمته السابقة، بتحصينه من "تغلغل المادية".


وقد تحولت نزعة الجامعة العربية ونزعة الجامعة الإسلامية لدى البنا إلى مذهب شديد الرجعية والعنصرية والضرر عن طابع سياسي وديني استثنائي للعرب وللمسلمين، الذين منحهم القدر حق قيادة العالم، والذين "اختارهم الله للنهوض بالبشرية وللسيادة على العالم".


وقد رأى الإخوان المسلمون هدفهم النهائي والرئيسي في بعث خلافة العصر الوسيط، التي سوف تنظم كل جوانب حياتها وفق عقيدة الجمعية وبرامجها.


وكان شعار الإخوان المسلمين هو: "الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا". وتؤكد الجملتان الأخيرتان جنباً إلى جنب مع رمز الجمعية (وهو يصور القرآن بين سيفين) الروح الكفاحية لـ "الإخوان المسلمين". وقد كتب البنا يقول: "إن القوة هي خير ضمانة للحق، وهي فريضة، شأنها في ذلك شأن الصلاة والصوم". وقد اعترفت الجمعية باستخدام أساليب النضال العنيفة (بما في ذلك الأعمال الإرهابية أيضاً) كأحد السبل الرئيسية لتحقيق برنامجها.


* * *


وقد جزأت الدعاية الإسلامية للجمعية صفوف الطبقة العاملة إلى مسلمين ومسيحيين، موسعة بذلك الانقسام القائم بين فئة غير كبيرة من العمال الماهرين (المسيحيين في غالبيتهم)، أي الفصيل القيادي داخل الطبقة العاملة، وجمهور العمال غير الماهرين أو الذين يتميزون بدرجة تأهيل غير عالية (المسلمين بصورة رئيسية). وهكذا، فكلما كان يثار موضوع بدء إضراب، كان الإخوان المسلمون يؤيدون الإضرابات في المشروعات التي يملكها غير المسلمين فقط، أما إذا كان مالك المشروع مسلماً، فقد كانت الجمعية تسارع إلى إقناع العمال (بمساعدة كاسري الإضراب) بأن الدين يحرم الإضرابات.


ولا غرو في أن هيوارث – ديون، وهو يدافع عن آراء إمبريالية، قد رأى أن القوة الوحيدة، القادرة على أن تمثل حاجزاً ضد الأفكار الشيوعية، إنما تتمثل في عقيدة الجمعية، وقد برر ذلك بأن الإخوان المسلمين قد تحركوا بشكل أكثر نجاحاً بين صفوف القوى الاجتماعية، التي تعتبر مهيأة بصورة قصوى لتقبل الأفكار الشيوعية.


والواقع أن نشاط الجمعيات والجماعات الإسلامية قد أعاق عملية توحيد الطبقة العاملة وفق المبدأ النقابي والطبقي.


* * *


وقد تمثلت نقطة قوة "الإخوان المسلمين" في أن شعاراتهم، المصاغة في صيغ دينية مفهومة، قد داعبت مشاعر الجماهير الشعبية، وكان المحرضون المنتمون إلى الجمعية يجيدون إلى حد بعيد فن الدعاية في المساجد، وكانوا يجدون بسهولة خاصة أنصاراً بين صفوف العناصر المتدينة والمحافظة. وفي الفترة الأولى، فترة الإسماعيلية، كان أعضاء الجمعية من العمال غير الماهرين، والفلاحين الفقراء، وجزء صغير من الموظفين والمدرسين ذوي الرواتب المنخفضة، وكذلك من الأشخاص العاملين في مجال الخدمات الخاصة. وكان المستوى المعيشي لهم جميعاً منخفضاً للغاية، وكانوا ورعين وذوي مستوى تعليمي محدود. وبعد انتقال مركز الجمعية إلى القاهرة، أخذ عدد أعضائها يتزايد بسرعة، وانضم إلى الجمعية كثيرون من طلاب الأزهر، ثم بعض طلاب المعاهد الدراسية المتوسطة والعالية الأخرى، كما تزايد عدد الموظفين، والمدرسين، والعمال (غير الماهرين أساساً)، والتجار الصغار والمتوسطين، والحرفيين.


وقد اجتذبت الجمعية إلى صفوفها عدداً صغيراً من الضباط وكثيرين من الجنود، كما اجتذبت عدداً كبيراً نسبياً من الفلاحين. أما ممثلو الطبقات السائدة فلم ينضموا إلى الجمعية واتخذوا منها موقف الحذر لكنهم لم يكونوا معارضين لاستخدامها في صالحهم. وقد تمكن الإخوان المسلمون من أن يجتذبوا إلى صفوفهم بعض الوفديين، وكذلك عدداً هاماً من أكثر أعضاء جمعية الشبان المسلمين و"مصر الفتاة" و"السبكية" والجماعات الإسلامية الأخرى نشاطاً وقدرة.


وقد عبرت الجمعية عن ميول الجماعات الأكثر تخلفاً ورجعية بين صفوف الفئات البورجوازية الصغيرة. وقد تعاونت قيادتها في مراحل مختلفة مع ممثلي الطبقات السائدة، ولم يتعارض نشاطها في أغلب الأحوال مع مصالح الرجعية المصرية، وإن كان قد وجد بين صفوف الإخوان المسلمين عدد غير صغير من الوطنيين الصادقين.


ومنذ عشية الحرب العالمية الثانية ظهر اتجاه واضح إلى دخول قيادة "الإخوان المسلمين" معسكر الرجعية. أما ثورية الجمعية المظهرية ونداءاتها الديماجوجية فقد جعلت منها واحدة من أخطر القوى وأكثرها ضرراً، ذلك أنها قد حرفت الجماهير الشعبية عن الحركة الثورية والديموقراطية الحقيقية.

فردريك جيمسون وما بعد الحداثة

أليكس كالينيكوس

ترجمة بشير السباعي


الماركسية، كما يعلم الجميع، ماتت! ولذا فمن دواعي الاستغراب كل ذلك الذي تبديه على المستوى الثقافي من أمارات الحياة. لقد قوبل ترفيع تيري إيجلتون مؤخراً إلى الأستاذية في جامعة أكسفورد بسخطٍ عارم، خاصةً بسبب الاعتراف الأكاديمي الذي خلعه هذا الترفيع على ماركسيٍ غزير الإنتاج وغير ميال إلى التبريرية. على أن المحاولات التي بذلت لتوجيه نقد جاد إلى عمل إيجلتون، خلافاً للشتائم الرخيصة، كانت نادرة(1). وإيجلتون ليس غير واحد من عدد من الماركسيين البارزين في حقل الدراسات الثقافية. ونظيره الأشهر عبر الأطلسي هو فريدريك جيمسون، الناقد والمنظر الأكبر سناً إلى حد ما، والذي كان يدرس من قبل في جامعة ييل ويدرس الآن في جامعة دوك.

وجيمسون مؤلف لعدد من الدراسات البارزة، خاصةً "الماركسية والشكل" (1971) و"اللاوعي السياسي" (1981)، المعنيين بصوغ نظرية ماركسية عن الأدب. على أنه مشهور، على الأرجح، بمقال نشر في مجلة "نيوليفت ريفيو" في عام 1984 تحت عنوان "مابعد الحداثة، أو المنطق الثقافي لرأسمالية أيامنا". وباستثناء كتاب جان – فرانسوا ليوتار "الحالة بعد الحداثية"، ربما كان ذلك المقال المحاولة الأوسع نفوذاً لصوغ الفكرة التي تذهب إلى أننا نحيا في عصر "بعد حداثي" جديد بشكل مميز – وهي فكرة أصبحت حقيقة مقدسة عند قسم واسع من الإنتلجنتسيا الغربية في الثمانينيات. وكان مقال جيمسون نقطة مرجعية رئيسية بالنسبة للأدبيات الأكاديمية الواسعة التي انتشرت بشكل رئيسي في الولايات المتحدة حول هذا الموضوع، والتي تشمل أيضاً مجلداً يتضمن أبحاثاً مكرسة لمناقشة وجهات نظره(2). وقد أعيد الآن نشر المقال إلى جانب كتابات أخرى لجيمسون حول ما بعد الحداثة في الكتاب الذي نعرض له، الأمر الذي يتيح فرصة مفيدة للنظر في عمله(3).

ولكن لنقل أولاً كلمة عن ما بعد الحداثة. إن المصطلح يستوعب ثلاثة تطورات مرتبطة:

1) رد الفعل الجمالي على الحداثة الرفيعة والذي برز على مدار السنوات الخمس والعشرين الماضية والذي يمكن رصده في عدد من الوسائط – خاصة العمارة، حيث حلت الزخرفة والإحالة التاريخية محل الكتل الصلبة التي تناطح السحاب المميزة لزمن ما بعد الحرب (العالمية الثانية)، إلا أن بالإمكان رصده أيضاً في الرسم والأدب،

2) الأفكار الفلسفية المرتبطة بجماعة المفكرين الفرنسيين في الستينيات المجموعين معاً تحت اسم ما بعد البنيوية – خاصة جيل دولوز وجاك دريدا والراحل ميشيل فوكوه – والذي يجمع بينهم نفي وجود أي واقع مستقل عن الفكر واللغة الإنسانيين ونفي أي تماسك واستقلال للشخص الفرد،

3) النظريات الاجتماعية التي تؤكد أن الرأسمالية الصناعية قد حل محلها "مجتمع بعد صناعي" لا تنطبق عليه التناحرات الطبقية بين البورجوازية والبروليتاريا(4). وتتمثل مساهمة ليوتار المميزة في القول بأن هذه الظواهر الثلاث كلها ترتبط فيما بينها، وأنها كلها تعبر عن سقوط "المرويات الكبرى"، أي فلسفات التاريخ التي بلغت الذروة عند هيجل وماركس والتي حاولت دمج مجمل الوجود الإنساني في نمط ذي معنى تتحد فيه المعرفة والتحرير، العقل والحرية. وقد أفرزت "المرويات الكبرى" (معتقل) أوشفيتز (النازي) و(معسكرات الاعتقال والسخرة الستالينية) في أرخبيل جولاج؛ وتعبر ما بعد الحداثة عن المفهوم الذي يذهب إلى أن من الضروري "خوض حرب ضد الكلية"، والإعلاء بدلاً من ذلك من شأن فنون وعلوم المجتمع بعد الصناعي، والتي تتمثل فكرتها الرئيسية في التجزؤِ بدلاً من التماسك(5).

ولابد أن يكون واضحاً أن حجج ليوتار لا يمكن للماركسيين ببساطة تبنيها بشكل غير انتقادي – فهي بصرف النظر عن أي شيء آخر تتضمن إعادة صياغة للنظرية اللبرالية القديمة المعروفة عن الشمولية، ذات الأهمية المحورية لدعاية الحرب الباردة الغربية، والتي تذهب إلى أن الماركسية والفاشية قد انبثقتا من جذور واحدة، وأن الكارثة سوف تعقب أية محاولة للتخلص من السوق الحرة. إلا أنه، كما تكشف، كانت هناك طريقتان رئيسيتان لرد فعل المثقفين اليساريين على ما بعد الحداثة. فقد تمثل رد الفعل الأول في الرفض الصريح: ولعل النموذج الأكثر تميزاً لهذه الاستراتيجية هو كتاب "خطاب الحداثة الفلسفي" (1985) للفيلسوف والمُنَظِّر الاجتماعي الألماني يورجين هابرماس، والذي يقدم نقداً ساحقاً لما بعد البنيوية ومقدماتها في كتابات نيتشه وهايدجر، وقد اتبعت المسار نفسه وإن كان من منظور ماركسي أكثر أرثوذكسية بكثير، كما فعل كريستوفر نوريس(6).

أما النهج الثاني فقد سلكه جيمسون – نهج "إنْ لم يكن بوسعك ضربه فلتنضم إليه، نهج إدماج أفكار رئيسية بعد حداثية في النظرية الماركسية، معاملتها بوصفها رصداً دقيقاً بصورة جزئية لظواهر واقعية"(7). ويلخص جيمسون نفسه هذه الاستراتيجية في نهاية كتابه:

"بين الحين والآخر كنت أشعر بالضجر من شعار "مابعد الحداثة" شأني في ذلك شأن أي إنسان آخر، إلا أنني عندما كنت أميل إلى الأسف لتواطئي معه، والأسف لإساءات استخدامه وسمعته الفاضحة، وعندما كنت أميل إلى أن أستنتج على مضض أنه يثير مشكلات أكثر من تلك التي يحلها، كنت أتوقف لأتساءل عما إذا كان بإمكان أي مفهوم آخر إبراز القضايا بمثل هذه الطريقة الفعالة والمقتصدة.

"والاستراتيجية البلاغية للصفحات السابقة تتضمن تجربة، أي محاولة لمعرفة ما إذا كان ليس بوسع المرء، من خلال منهجة ما هو غير منهجي بشكل حازم وإضفاء طابع تاريخي على ما هو غير تاريخي بشكل حازم، تطويقه وشق طريق تاريخي للتفكير في ذلك على الأقل.

"يجب أن نسمي النظام" : إن ذروة الستينيات هذه تجد بعثاً غير متوقع في المناقشة الدائرة حول ما بعد الحداثة".(8)

وبشكل ملموس أكثر، فإن جيمسون يرى أنه يجب النظر إلى ما بعد الحداثة على أنها الفن المميز لمرحلة خاصة من مراحل التطور الرأسمالي. فالرأسمالية الآن، بالفعل، في مرحلتها الثالثة. والمرحلة الأولى، مرحلة الرأسمالية الكلاسيكية أو التنافسية، كان لها نظير ثقافي في واقعية روائيي القرن التاسع عشر الكبار – بلزاك، ديكنز، تولستوي. وأدت الرأسمالية الاحتكارية إلى ظهور حداثة أوائل القرن العشرين – حداثة بيكاسو وجويس ولو كوربوزييه. أما الآن فإننا نحيا في العصر الذي يسميه جيمسون بعصر "رأسمالية أيامنا أو الرأسمالية المتعددة الجنسيات أو الاستهلاكية". وهو يستقي هذا التقسيم للعهود من عمل التروتسكي البلجيكي إرنست مندل، الذي "نظر" كتابه "رأسمالية أيامنا" "لأول مرة لمرحلة ثالثة للرأسمالية من منظور ماركسي بشكل صالح للاستعمال. وهذا هو ما جعل أفكاري الخاصة عن "مابعد الحداثة" ممكنة، ولذا فيجب فهمها على أنها محاولة لتنظير المنطق المحدد للإنتاج الثقافي لتلك المرحلة الثالثة".

وفي الأقسام الاستهلالية الرائعة لمقاله المنشور في عام 1984، يستخدم جيمسون عمل آندي وورهول بشكل خاص لتمييز ما يعتبره السمات المميزة للفن بعد الحداثي – "انعدام جديد للعمق"، "ذبول تحريك العواطف"، تجزيء الذات، اختزال الماضي إلى مصدر لخلائط لا نهاية لها من القطع الفنية المتنوعة، كما في الميل للأساليب الارتجاعية الرائجة وما يسميه بـ "فيلم الحنين إلى الماضي"، معايشة انفصامية للعالم يحل فيها "التصور المتوقد للاختلاف الجذري" محل أي إحساس بعلاقات تلعب دوراً توحيدياً، "انتشاء مهلوس جديد غريب" تجاه "قفزة لا مثيل لها إلى اغتراب الحياة اليومية في المدينة". ويرى جيمسون أن هذه الخصائص للفن المعاصر لا يمكن فهمها إلا في سياق رأسمالية أيامنا: "أنقى شكل لرأس المال يظهر الآن، توسع ضخم لرأس المال في مناطق كانت حتى الآن لاتعرف الاقتصاد السلعي. وهكذا فإن رأسمالية أيامنا هذه الأكثر نقاء تزيل جيوب التنظيم قبل الرأسمالي التي كانت تتسامح معها حتى الآن وتستغلها بشكل خراجي. ويميل المرء إلى الحديث في هذا الصدد عن اختراق واستعمار جديدين وأصيلين من الناحية التاريخية للطبيعة وللاوعي: أي تدمير زراعة العالم الثالث قبل الرأسمالية عن طريق الثورة الخضراء، وصعود صناعة وسائل الإعلام والإعلان".(9)

ويتمثل أحد السبل لتلخيص الصلة التي يراها جيمسون بين رأسمالية أيامنا وما بعد الحداثة في فكرة "المسافة النقدية". فالمراحل الأسبق للفن البورجوازي قد حافظت دائماً على مسافة معينة بين الإنتاج الثقافي والمجتمع البورجوازي: فقد سعى الواقعيون إلى اختراق مظاهر الحياة اليومية والتوصل إلى مفهوم معين عن الكل الاجتماعي؛ والحداثيون خلقوا عبادة للعمل الفني نفسه، مشيدين بانفصاله عن المألوف البورجوازي. على أن الفن بعد الحداثي إنما يتميز على وجه التحديد بواقع أن "المسافة بوجه عام (بما في ذلك "المسافة النقدية " بوجه خاص) قد ألغيت بشكل محدد للغاية"، وهو تطور يتطابق مع الطريقة التي، من خلالها، "ينتهي التوسع الضخم الجديد لرأس المال المتعدد الجنسيات إلى اختراق واستعمار تلك الجيوب قبل الرأسمالية عينها (الطبيعة واللاوعي) التي منحت مرتكزات خارج – أرضية وأرشميدية للفعالية النقدية". وهكذا يعتبر جيمسون مفهوم ما بعد الحداثة مفهوماً مفيداً لأنه يستملك "لحظة حقيقة"، أي "كل هذا المجال الجديد الأصيل المؤدي إلى التفسخ والإحباط بشكل غير عادي"، مجال رأسمالية أيامنا.(10)

ويطور جيمسون نقاشه ببلاغة ورهافة لا يمكنني نقلهما هنا ولا يمكن استيعابهما إلا بقراءة بحثه الأصلي عن ما بعد الحداثة. والمشكلة هي أن هناك الكثير مما يمكن منازعته في كل من حدي العلاقة التي يراها، أي رأسمالية أيامنا والفن بعد الحداثي, ففي المقام الأول، وأياً كان رأي المرء في كتاب ماندل "رأسمالية أيامنا"، فإنه معني بتقديم تفسير لرواج ما بعد الحرب (العالمية الثانية) الذي جربته الرأسمالية الغربية ولمرحلة الأزمات التي دخلتها فيما بعد في أواخر الستينيات. لكن الستينيات، كما أشار إلى ذلك مايك ديفيز، هي بالتحديد اللحظة التي يرى فيها جيمسون انبثاق الفن بعد الحديث، وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يشخص رأسمالية اليوم على أنها تشهد توسعاً لا أزمة (11) ولا يرد جيمسون على انتقادات ديفيز إلا بشكل جد متسرع ومستخف. وبشكل أعم، فإنه عبر كل هذا المجلد لا يكاد يبذل أي جهد لتطوير فكرة "الرأسمالية المتعددة الجنسيات" أو البرهنة عليها. وقد بذل آخرون جهداً أكثر جدية لعمل ذلك. ولا شك أن أهم مثال لمثل هذا العمل هو عمل المُنَظِّر الحضري الماركسي ديفيد هارفي، الذي يستخدم المفهوم الرائج عن "التراكم المرن" سعياً إلى تمييز الأساس الاقتصادي لـ "حالة ما بعد الحداثة"، مع أنه يجب الإشارة إلى أن هارفي يتردد في وصف "التراكم المرن" بأنه مرحلة جديدة متميزة للتوسع الرأسمالي ويشدد على عدم استقرار وهشاشة الاقتصاد العالمي المعاصر(12). وهذا الحذر مشروع: فالتدويل الأعظم لرأس المال على مدار الجيل الماضي لا يمثل بحال من الأحوال تحقيق الاستقرار للرأسمالية، بل إنه لا يؤدي إلاَّ إلى احتداد تناقضاتها الداخلية. وهذا زعم لا يقدم جيمسون حجة ولا برهاناً لتفنيده(13).

وكما يمكن للمرء أن يتوقع فإن لديه كلاماً أكثر بكثير عن طبيعة الفن بعد الحداثي، كما يبين يوجين لان، يتميز بأربع سمات هيكلية – "الوعي الذاتي الجمالي أو الانعكاس الذاتي"، "التزامن، التجاور أو"المونتاج" ، "المفارقة، الالتباس وانعدام اليقين" و"نزع الطابع الإنساني" وزوال الذات الفردية المتكاملة أو زوال الشخصية" (14). وعادة ما ينسب دعاة فن بعد حداثي بشكل متميز سمة أو أكثر من سمات الحداثة هذه إلى أعمال يريدون الزعم بأنها بعد حداثية (15). ومما يؤسف له أن جيمسون ليس فوق مثل هذه المناورات (16). إلا أنه، بشكل نموذجي أكثر، يسعى إلى تمييز الأعمال الفنية بعد الحداثية عن الأعمال الحداثية ليس من زاوية بنيتها الشكلية أساساً وإنما من زاوية علاقتها بالمجتمع ومفهومها عنه.

وهكذا يرى جيمسون (متبعاً هنا فكرة لبيري أندرسون):

"أن الحداثة يجب النظر إليها إذاً على أنها تتطابق بشكل فريد مع لحظة متفاوتة في التطور الاجتماعي، أو مع ما وصفه إرنست بلوخ بـ "تزامن غير المتزامن" ...: تعايش حقائق من لحظات تاريخية مختلفة جذرياً – الحرف اليدوية إلى جانب الكارتيلات الكبرى، حقول الفلاحين التي لا تبعد عنها كثيراً مصانع كروب أو أحد مصانع فورد"(17).

وبالمقابل، على أية حال، فإن "مابعد الحداثة حداثية أكثر من الحداثة نفسها" لأنه في رأسمالية أيامنا:

"ينتصر التحديث ويمحو القديم تماماً: إذ يجري إلغاء الطبيعة جنباً إلى جنب الريف التقليدي والزراعة التقليدية، بل إن الآثار التاريخية الباقية، التي أصبحت الآن كلها مغسولة من التراب، تصبح مظاهر لامعة للماضي، لا بقاءً له. فالآن كل شيء جديد، إلا أنه للسبب نفسه، فإن مقولة الجديد نفسها تفقد معناها وتصبح نوعاً من موروث حداثي"(18).

يبدو لي هنا أن جيمسون يتطلع إلى شيء ما (وإن كان من المبالغة، كما هو واضح، القول بأن الرأسمالية قد ألغت الطبيعة، مثلما هو من الصعب، على أقل تقدير، فهم السبب في أن الطبيعة واللاوعي يشكلان، كما زعم من قبل، "جيبين قبل رأسماليين"). لقد توجهت الحداثة بشكل رائع في أواخر القرن التاسع عشر في مجتمعاتٍ – ألمانيا، روسيا، إيطاليا، فرنسا، - تتميز بتطور متفاوت ومركب، بتعايش الرأسمالية الصناعية الآخذة في التوسع بسرعة وأشكال أقدم للسيطرة الاجتماعية. إن تقنياتها الشكلية، كالمونتاج، قد ساعدت على تسليط الضوء على التجاور الغريب لأساليب الحياة والتفكير المتقدمة والمتخلفة. كما سمحت لحركات طليعية كالتركيبية في روسيا والسوريالية في فرنسا بتخيل فن لا يكون، كما تصور بروست وجويس، ملاذاً من العالم، بل وسيلة لإلغاء التمايز بين الفن والحياة اليومية وذلك كجزء من النضال من أجل تغيير الحياة اليومية نفسها. لكن هزيمة الثورة الاشتراكية في فترة ما بين الحربين (العالميتين) قد جعلت من الممكن، ليس فقط توسع الرأسمالية الغربية بعد عام 1945 وإنما أيضاً استيعابها للحداثة في الثقافة الرفيعة البورجوازية (19).

ومن هذا المنظور ربما كان جيمسون محقاً في "الحديث عن انفراجة ما بعد الحداثي، التي هي، بوجه عام، إزالة عاصفة للعقبات وإطلاق لإنتاجية جديدة كانت إلى حد ما محتدمة ومجمدة وحبيسة كالعضلات المتقلصة في نهاية الفترة الحداثية". ولا شك أن رد الفعل المضاد لعقم وشكلية ما يسمى أحياناً بحداثة أيامنا كان تطوراً ضرورياً بل وربما كان يستحق الترحيب. على أن من الأنسب النظر إليه على أنه استمرار للحداثة، يستخدم الصيغ الشكلية نفسها في سياق اجتماعي وسياسي مختلف للغاية عن سياق انبثاقه. ومن المهم بشكل خاص التشديد على هذه النقطة لأن إحدى الظواهر الثقافية المعاصرة الأكثر وضوحاً هي نوع من ابتذال الأفكار والموضوعات الرئيسية الحداثية. وأنا لا أفكر هنا في مجرد ظهور صور حداثية في وسائل الإعلام الجماهيري – وإن كانت الكلمات تخونني أحياناً، مثلما حدث حينما واجهت استخدام صورة فوتوغرافية تركيبية شهيرة لِمُنَظِّر البروليت كولت (الثقافة البروليتارية) أوسيب بريك في بيع الرانجلر جينز. وتتمثل إحدى السمات المميزة للموجة الكبرى للأعمال الحداثية في أواخر القرن الماضي في تنمية انفصال ساخر معين عن الواقع: لقد جرى تجريد العالم من أية أهمية أصيلة، وجرت معاملته بوصفه وسيلة لسعي الفنان إلى التعبير عن نفسه (20). وهذا الانفصال عن العالم يساعد على فهم التباس الحداثة السياسي، انفتاحها لفاشيين مثل سيلين وماركسيين مثل بريشت. لكن السخرية، في الثقافة المعاصرة، قد كفت عن أن تكون ملكية لنخبة فنية صغيرة وصارت ظاهرة جماهيرية، يتقاسمها لفيف واسع من المديرين والمهنيين الذين يبدو الموقف المنفصل، الهازئ، أنسب رد لهم على عالم لم يعد بوسعهم لا الإيمان بعدالته ولا الإيمان بإمكانية تغييره.

وربما بسبب السياسة المضمرة في موقفه، أكثر مما بسبب أي شيء آخر، أرى أن من الأفضل الوقوف ضد ما بعد الحداثة بدلاً من "تطويقها" أو حتى دمجها جزئياً، كما يفعل جيمسون، فما يكمن في أساس استراتيجيته هو طبعة خاصة من الهيجيلية، لا يكون فيها أي موقف نظري خاطئاً ببساطة أبداً بل يتضمن دائماً فكرة عميقة ما يجب دمجها في آراء الناقد الخاصة. وهذا يقود جيمسون إلى أن يكون متسامحاً بشكل مسرف مع ما بعد البنيوية بشكل عام ومع كتابات جان بودريار عديمة القيمة إلى حد بعيد بشكل خاص (21). وأنا أعتقد أن المبرر الفلسفي الكامن في أساس هذا التسامح لا يصمد للنقد. فحتى عندما يدمج المرء فكرة عميقة ما مستمدة من وجهة نظر محل نقد في نظريته الخاصة فإن النتيجة تكون شيئاً جديداً: إن ماركس لم يضف ببساطة مذهب ريكاردو إلى أفكاره هو بل قام بتحويلها. وأياً كان الأمر، فمن الضروري أحياناً عدم الانخراط في حوارٍ والسعيِ إلى تخليص الصحيح من الزائف في موقف الآخر، بل رسم خط فاصل وخوض نضال.

أما معرفة متى يجب النضال، حتى في أكثر مجالات النظرية تعقيداً، فهي في نهاية المطاف مسألة سياسية. إلا أنه في مجال السياسة بالتحديد يتميز جيمسون بأكثر تردد. فهو أحياناً يكون رائعاً بصورة مطلقة، كما هي الحال، مثلاً، حين يدين "استسلام اليسار، دون أن أذكر الآخرين، لمختلف أشكال إيديولوجية السوق"، وحين يشير بشكل تهكمي مر إلى عربة موسيقى اشتراكية السوق: "اليوم نجد أنفسنا مضطرين إلى الموافقة على الافتراض الذي يرى أن الاشتراكية لم تعد لها في الواقع علاقة بالاشتراكية نفسها". وعلى الرغم من ذلك، فإن جيمسون يسمح لنفسه، بعد ذلك بصفحات، بالتفوه بزعم يدل على سذاجة سياسية مدهشة: "إن إحساسي، في الواقع، هو إن فشل تجربة خروشوف لم يكن كارثياً بالنسبة للاتحاد السوفيتي وحده وإنما كان حاسماً بشكل أساسي إلى حد ما بالنسبة لبقية التاريخ العالمي، ناهيك عن مستقبل الاشتراكية نفسها" (22). والحال أنني أشعر وكأنني أود أن أقول لجيمسون، في كلمات جون مكنرو الخالدة: من الصعب أن أتصور أنك جاد فيما تقول. أو، مرة أخرى، حين ينبذ جيمسون بشكل حاسم التنديدات بعد الحداثية بـ "حنين" الماركسيين "إلى السياسات الطبقية"، معلقاً بأن هذا "ملائم ملائمة وصف جوع الجسم، قبل تناول الوجبة الرئيسية، بأنه حنين إلى الطعام"، لكنه سرعان ما يفسد كل شيء بقوله أن جيسي جاكسون "قد ابتكر من جديد تقريباً" لغة " السياسة الطبقية ... بالنسبة لزماننا" (23). والكتاب حافل بمثل هذه الانفلاتات والمزاعم، غير المؤيدة بأي تحليل أو نقاش جاد، الأمر الذي يوحي بنهجِ هاوٍ تجاه الماركسية.

ومع ذلك فإن جيمسون في أفضل حالاته هو أكثر بكثير من مجرد هاوٍ. ففي كتاب جديد آخر، وهو دراسة لثيودور آدورنو، منظر مدرسة فرانكفورت، يرصد "انبثاق رأسمالية جديدة وعالمية بشكل حقيقى أكثر" بعد الثورات الأوروبية الشرقية:

"إن أياً منها لا "يدحض" الماركسية، التي لا تزال على العكس من ذلك التيار الفكري الوحيد المصر على توجيه انتباهنا إلى الآثار الاقتصادية لـ "التحول الكبير" الجديد، الذي تجازف بصب ماء بارد على أوهامه بشأن الهيكل العلوي. فرأس المال والعمل ( وتعارضهما) لن يتلاشيا في ظل الشرع الجديد، كما أنه لا يمكن أن توجد إمكانية في المستقبل، مثلما لم توجد البته في الماضي، لأي "طريق ثالث" ذي أهلية بين الرأسمالية والاشتراكية، بصرف النظر عما أصاب هذه الأخيرة بالنسبة للناس الذين جرى إتخامهم بها عن طريق التلقين من الأوشاب البلاغية والتصورية... إن عَالماً أولاً بعد حداثي كامل لن يعدم هو نفسه شباناً لهم ميول وقيم يسارية صادقة وعلى استعداد لتبني رؤى التغيير الاجتماعي الجذري التي تكبتها معايير المجتمع البورجوازي. وديناميات مثل هذا الالتزام مستمدة ليس من قراءة "الكلاسيكيات الماركسية" بل من المعايشة الواقعية لواقع اجتماعي والطريقة التي لا يمكن بها إنجاز قضية أو مسألة معزولة، كقضية أو مسألة إنهاء شكل خاص من أشكال الظلم، دون نظم مجمل شبكة المستويات الاجتماعية المتداخلة في كلية، الأمر الذي يتطلب عندئذ ابتكار سياسة للتغيير الاجتماعي ... وسواء اختفت كلمة "الماركسية" أم لا، إذاً، في ممحاة شرائط عصور مظلمة جديدةٍ ما، فإن الشيء نفسه سوف يعاود الظهور لا محالة" (24).

هذا إذاً تأكيد لحالية الماركسية رائع روعة أي تأكيد رائع أعرفه. والمشكلة هي أنه تأكيد للنظرية الماركسية، خاصة ممارسة البحث عن الكلية "نظم مجمل شبكة المستويات الاجتماعية المتداخلة في كلية". ويرى جيمسون أن هناك صلة بين مفهوم الكلية والسياسة الثورية: وهكذا فإن "العداوة" بعد "البنيوية" لمفهوم "النظرة الكلية" سوف يبدو من المعقول تماماً تفسيرها على أنها رفض منهجي لمفاهيم وأفكار الممارسة بصفتها هذه، أو للمشروع الجماعي". ولكن أين هي القوة الاجتماعية التي ستقوم بهذا "المشروع"؟ إن جيمسون لا يذهب إلى المدى الذي ذهب إليه آدورنو، الذي رأى أن الطبقة العاملة الغربية قد جرى دمجها في "رأسمالية أيامنا". لكنه يبدو، أحياناً، قريباً بما يكفي من تشاؤم آدورنو، كما حين يقول:

"لقد كان آدورنو حليفاً مشكوكاً فيه في الوقت الذي كانت لا تزال فيه هناك تيارات سياسية معارضة قوية كان يمكن لانسحابيته المزاجية والمشاغبة أن تصرف القارئ غير الملتزم عنها. أَمَا وأن تلك التيارات قد أصبحت الآن هي نفسها مذعنة، فإن عصارته المرة ترياق سار ومذيب ماسح يجب صبه على وجه "ماهو قائم" "(25).

من الواضح أن جيمسون ليس مستعداً للاستسلام. فإذا كنا نعيش في زمن هزيمة، فإن الهزيمة ليست أكثر من مؤقتة:

" إن الفترة ما بعد الحداثية قد تكون تماماً... أكثر قليلاً من فترة انتقالية بين مرحلتين من مراحل الرأسمالية، تجري فيها إعادة هيكلة الأشكال الأسبق لما هو اقتصادي على نطاق عالمي، بما في ذلك الأشكال الأقدم للعمل ومؤسساته ومفاهيمه التقليدية. أما أن بروليتاريا أممية جديدة (تتخذ أشكالاً لا يمكننا بعد تخيلها) سوف تعاود الانبثاق من هذا الانقلاب الهادر فذلك أمر لا يحتاج إلى نبي لتوقعه: لكننا نحن أنفسنا لا نزال في نطاق الغور بين الأمواج ولا يمكن لأحد القول إلى متى سوف نبقى فيه" (26).

وحتى لو افترضنا أن هذا التحليل صحيح (وهو مالا أوافق عليه)، فما هو المفترض منا عمله في "الغور"، ترقباً لموجة جديدة ما تحملنا إلى الأمام؟ إن المجاز يوحي بنزعة جبرية، بانتظار للأحداث يتنافى مع التراث الثوري. ومن الصعب ألا يشعر المرء بأن وضع جيمسون في العالم الأكاديمي، انعزاله عن النشاط السياسي، يحكم عليه بهذا الموقف السلبي في نهاية المطاف. وهذا يذكرنا، مرة أخرى، بحدود الماركسية الغربية المشوبة بفصلها بين النظرية والممارسة (27).


الحواشي:

(1) لقد صدر الحنق الموجه إلى إيجلتون عن جميع جهات الصحف الكبرى، من الجارديان إلى الإندبندنت، ومن اللندن ريفيو أوف بوكس إلى الاسبكتيتور.
(2) ف. جيمسون، "مابعد الحداثة، أو المنطق الثقافي لرأسمالية أيامنا"، نيو ليفت ريفيو، 146 (1984) و د. كلينر، "مابعد الحداثة / جيمسون / نقد" (واشنطن دي سي، 1989).
(3) ف. جيمسون، "مابعد الحداثة، أو المنطق الثقافي لرأسمالية أيامنا" (لندن، 1991). انطباعي هو أن معظم، إن لم يكن كل، الكتاب يتألف من مقالات نشرت بالفعل في أماكن أخرى، مع أنه لا الناشر ولا المؤلف قد اعتبرا أن من المناسب تحديد مصدر كل مقال. ويمكن للنتائج أن تكون مربكة نوعاً ما، إن لم نقل مزعجة – كما يحدث، مثلاً، عندما يعرف القارئ أن الفصل السادس إما أنه مراجعة، أو، مقدمة، لكاتالوج معرض (انظر، على سبيل المثال، ص 180) إلا أنه لا يقال له ماذا كان المعرض أومتى أقيم. وقد أدخل جيمسون بعض التغييرات على نصوص سبق نشرها، مثال ذلك المقال الذي نشر في عام 1984 في النيو ليفت ريفيو، الذي يظهر الآن بوصفه الفصل الأول.
(4) انظر أ. كالينيكوس، "ضد ما بعد الحداثة"، (كيمبريدج، 1989) و "مابعد الحداثة الرجعية"، في الكتاب الذي أشرف على إعداده ر. بوين و أ. راتانسي، والصادر تحت عنوان "مابعد الحداثة والمجتمع" (بيزنجسوك، 1990).
(5) ج. ف. ليوتار، "الحالة بعد الحداثية" (مانشيستر، 1984)، ص 84.
(6) انظر بوجه خاص ك. نوريس، "ما المشكلة مع ما بعد الحداثة" (لندن، 1990) و"زيارة جديدة إلى الثامن عشر من برومير"، الذي سوف ينشر في "ثيوري، كلتشر آند سوسيتي".
(7) انظر أ. كالينيكوس، "الماركسية في مواجهة ما بعد الحداثة"، الذي سوف ينشر في "ثيوري، كلتشر آند سوسيتي".
(8) ف. جيمسون، مصدر سبق ذكره، ص 418.
(9) المصدر السابق، ص 36.
(10) المصدر السابق، ص ص 48-49.
(11) م. ديفيز "النهضة الحضرية وروح ما بعد الحداثة"، نيو ليفت ريفيو، 151 (1985).
(12) د. هارفي، "حالة ما بعد الحداثة" (أكسفورد، 1989)، خاصة الباب الثاني.
(13) انظر أ. كالينيكوس، "ضد ما بعد الحداثة"، الفصل الخامس، و، الآن، ك. هارمان، "الدولة والرأسمالية اليوم"، انترناشيونال سوشياليزم، 2 : 51 (1991).
(14) أ. لان، "الماركسية والحداثة" (لندن، 1985) ص ص 34 – 37.
(15) انظر أ. كالينيكوس، "ضد ما بعد الحداثة"، الفصل الأول.
(16) انظر، على سبيل المثال، ص ص 167 – 168، حيث يزعم أن "إعادة اختراع المجاز" هي إحدى علامات "حلول ما بعد الحداثة محل الحداثة". وهذا تصريح مثير بالنظر إلى إثبات بيتر بيرجر لأهمية معالجة فالتر بنيامين للمجاز بوصفه علاقة بين جزيئات في توضيح رفض الفن الطليعي الحداثي في أوائل القرن العشرين لمفهوم العمل الفني بوصفه كلاً عضوياً: "نظرية الفن الطليعي" (مانشيستر، 1984)، ص 78.أما تخلف جيمسون الكامل عن مناقشة عمل بيرجر الهام فهو إهمال يدعو إلى الاستغراب.
(17) انظر ف. جيمسون، مصدر سبق ذكره، ص 307. وقارن هذا الكلام مع كلام ب. أندرسون، "الحداثة والثورة"، نيو ليفت ريفيو، 144 ، (1984).
(18) ف. جيمسون، مصدر سبق ذكره، ص 311.
(19) فيما يتعلق بهذا كله، انظر المصدر السابق و أ. كالينيكوس، "ضد ما بعد الحداثة"، الفصلين الثاني والخامس.
(20) لنظر ف. موريتي، "نوبة التردد"، نيو ليفت ريفيو، 164، (1987).
(21) انظر في هذا الصدد ف. جيمسون، مصدر سبق ذكره، ص 399.
(22) المصدر السابق، ص 274.
(23) المصدر السابق، ص 331.
(24) ف. جيمسون، "ماركسية أيامنا"، (لندن، 1990) ص ص 250 – 251.
(25) المصدر السابق، ص 249، وانظر أيضاً المصدر السابق، ص 5.
(26) ف. جيمسون، "مابعد الحداثة"، مصدر سبق ذكره، ص 417.
(27) انظر التشخيص الرائع الذي قدمه صريع آخر للمرض نفسه: ب. أندرسون، "تأملات حول الماركسية الغربية" ، (لندن، 1976).

1990s