استيهامات_24



12 يونيو 2011

تخليداً لمجد الإسكندرية، صاغ النحاتُ الإغريقيُّ العظيم لوسيبوس مجموعةً نحتيةً مطلية بالذهب من أربعة أحصنة – كوادريجا – منتصبةً في الساحة الرئيسية بالإسكندرية. غداة انتصار الرومان على البطالمة، قام الإمبراطور أغسطس أوكتافيوس بنقل هذا الأثر الفنيّ الرائع إلى روما، لكي يزين به قوس نصره. فيما بعد، قام الإمبراطور قسطنطين بنقل الكوادريجا إلى ساحة سباق الخيل بعاصمة إمبراطوريته الرومانية الشرقية، وبقيت هناك على مدار ثمانية قرون، حتى جاءت الحملة الصليبية على القسطنطينية ونقل البنادقة المجموعة النحتية لكي يقوموا بنصبها في عام 1204 على البوابة الرئيسية لكاتدرائية القديس مرقس في البندقية. عندما دخل بونابرت البندقية في عام 1797، سارع إلى نقل الكوادريجا إلى باريس. عند سقوط الإمبراطورية النابوليونية في عام 1815، أعيدت الكوادريجا إلى البندقية. خلال الحربين العالميتين الأخيرتين، أنزلوها إلى تحت الأرض تأميناً لها، وهي الآن منتصبةٌ من جديد في فينيسيا.

أعاد عبد الناصر مخلفات القديس مرقس إلى مصر، لكنه لم يطلب استرداد الكوادريجا !

الكوادريجا ترمز إلى الانتصار

الكوادريجا يجب أن تنتصب في ميدان التحرير !

الثورة يجب أن تنتصر !


محاضرة بشير السباعي بمركز دراسات الترجمة

22 مارس 2011



AUC Web » Research at AUC » The Center for Translation Studies » Bashir Al Sibaie Lecture

The Center for Translation Studies was delighted to host the renowned translator and public intellectual Bashir al-Sibaie on March 22, 2011. Throughout his lecture, al-Sibaie used his experience as a translator to describe the field of Orientalism. In his comments about many of the most prominent and famous Orientalists from the age of Enlightenment until the present day, al-Sibaie provided not only a historical and engaging look at how Orientalism came into being and developed over time but also real personal insight into the process of bringing this corpus of knowledge across language barriers into his native Arabic.
Highlights from the Lecture:

"هناك إشكالية بشأن (تعريف) الاستشراق. وهذه الإشكالية لا تتعلق بالاستشراق فقط ولكن يبدو أنّها تتعلق بكل الحقول المعرفية. وعندما يتصل الأمر بما يُسمى بصدام يحدث بين الثقافات فمن الطبيعي أن تزداد هذه الإشكالية احتداداً."

" There is a problematic with regards to [the definition of] Orientalism. This problematic is not particular to Orientalism alone; rather, it seems that it is related to all fields of knowledge.. When the issue comes to what is termed ‘the clash of cultures’ then it seems natural that this problematic becomes more accentuated."

"الاستشراق لعب دورا مهما في صياغة الهوية القومية ورؤية المصريين لتاريخهم واحتفائهم بتاريخهم وحقهم في أن يكونوا أمة مثل الأمم المتقدمة الأخرى الجديرة بالحرية والاستقلال."

“Orientalism played an important role in the elaboration of a national identity and Egyptians’ perception and celebration of their own history, as well as their right to be a nation that deserves freedom and independence like other advanced nations.”

"مستشرقو الماضي و إلى عهد قريب كانوا أجانب، ولكن الحقيقة مشهد الاستشراق تبدّل الآن. المستشرقون الآن قادمون من الشرق."

“The Orientalists of the past and until recent time were foreigners. However, today the field of Orientalism has changed. The Orientalists now are from the East.”

About the Speaker

Bashir al-Sibaie is a renowned poet, historian, critic and one of the Arab World’s most distinguished translators from Russian, French and English into Arabic with more than 65 translated titles to his name in the fields of Orientalism, social science, philosophy, history, literary criticism and theory as well as poetry, drama and the novel. Many of his translations are indispensable classics, and their authors include Timothy Mitchell, Alain Gresh, Andre Raymond, Tzevtan Todorov, Charles Baudelaire, Henri Laurens and the Egyptian surrealist poets Georges Henein and Joyce Mansour. He is the recipient of the Mediterranean Institute Book Award in Translation (2007) and The Rifaa al-Tahtawi National Award in Translation (2010) for his translation of the encyclopedic work by French historian, Henri Laurens La Question de la Palestine (The Question of Palestine) that alone constituted 2789 pages and five years of intensive work. To listen to the lecture click here


For more information on Bashir al-Sibaie’s translations please visit his blog at: http://mabda-alamal.blogspot.com

http://www.aucegypt.edu/research/cts/Pages/BashirAlSibaieLecture.aspx


ردود بشير السباعي على أسئلة من الصحافي سيد محمود

(31 مايو 2011)

- هل تقبل الرأي الذي راج في فلسفة ما بعد الحداثة بشأن انتهاء المرويات الكبرى وعلى رأسها المروية الماركسية؟

- كانت ما بعد الحداثة موضة ثقافية للعقدين الأخيرين من القرن الماضي. وعلى الرغم من أن ما بعد الحداثة بدت آنذاك مصطلحاً لا يتميز بمعنىً محدد، إلا أن بالإمكان رصد مكونات رئيسة لها، لا يهمني منها هنا سوى الاستنتاج الريبيّ الذي انتهى إليه جان ليوتار فيما يتعلق بالمعرفة المعاصرة، فهو يرى أنها تتخذ شكلاً متشظياً باطراد، دون أي ادعاءٍ بالوصول إلى الحقيقة أو التماسك العقلاني. وهو استنتاجٌ يعني انتهاء "المرويات الكبرى" وانتهاء المشروع الذي بدأ مع التنوير الفرنسي، وهو مشروعٌ واصله ماركس مواصلةً نقدية، تمهيداً لبيان مقدمات الإمكانية الواقعية لإنجاز التحرر الإنساني، وهو تحررٌ أعمق معنى من التحرر السياسي والاجتماعي، إذ أنه تحررٌ من كل أشكال الاغتراب.

من جهتي، لا أوافق على الريبيّة الفلسفية لما بعد الحداثة، فإمكانية المعرفة واردة دائماً، ولولا وجود هذه الإمكانية لما أمكن انتاج المعرفة أصلاً، ومشروع التنوير يستند إلى هذه الإمكانية كما يستند إلى إمكانية التحرر، وهي إمكانيةٌ ليست أقل معقولية ولا واقعية من إمكانية الهبوط على المريخ.

ومن جهة أخرى، لم يقدم ماركس مرويةً كبرى لمجمل التاريخ البشري ومسارات تطوره، بل لم يقدم مرويةً كبرى لمجمل تاريخ الغرب، وكل ما فعله هو تقديم منهج لتفسير التاريخ، والمنهج شيء مختلف عن المروية.

يكتب ماركس في رسالة إلى جوزيف فيديماير مؤرخة في 5 آذار/ مارس 1852:

"لا يرجع إليّ أي فضلٍ في اكتشاف وجود الطبقات في المجتمع الحديث أو الصراع بينها. فقبلي بزمن طويل، كان مؤرخون بورجوازيون قد وصفوا التطور التاريخي لهذا الصراع الطبقي وكان اقتصاديون بورجوازيون قد وصفوا التشريح الاقتصادي للطبقات. أما الجديد الذي قمت به فهو التدليل على 1) أن وجود الطبقات لا يرتبط إلا بمراحل تاريخية خاصة في تطور الانتاج، و 2) أن الصراع الطبقي يقود بالضرورة إلى ديكتاتورية البروليتاريا و 3) أن هذه الديكتاتورية نفسها لا تشكل سوى الانتقال إلى إلغاء جميع الطبقات وإلى مجتمع لا طبقي".

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1877، بعث ماركس برسالة إلى هيئة تحرير مجلة "المذكرات الوطنية" الروسية، سخر فيها من ميخائيلوفسكي على النحو التالي: "إنه يشعر أنه يجب عليه وجوباً مطلقاً أن يمسخ مخططي التاريخي لأصل الرأسمالية في أوروبا الغربية وأن يحوله إلى نظرية تاريخية – فلسفية [ أي إلى "مروية كبرى" بلغة أيامنا. – بشير السباعي ] عن الطريق العام الذي كُتب على كل شعبٍ أن يسلكه، أياً كانت الظروف التاريخية التي يجد نفسه فيها، حتى يتسنى له أن يصل في نهاية الأمر إلى شكل الاقتصاد الذي يكفل أكمل تطور للإنسان، إلى جانب أكبر اتساع للقوى الإنتاجية للعمل الاجتماعي. لكنني أطلب عفوه".

أين إذاً "المروية الكبرى" الماركسية؟

معروفٌ أن المرويات الكبرى متباينة. خذ، مثلاً، مروية الديانات الإبراهيمية الثلاث عن الخلق والحياة والموت والبعث والحساب والآخرة عموماً، هذه المروية مازالت تحكم تصورات ملايين من الناس عن العالم، تعبيراً عن اغترابهم الروحي، وخذ، مثلاً، المروية المانوية عن صراع الخير والشر، والنور والظلام، إنها مروية آسرة لوجدانات مليارات البشر، وذلك بقدر ما أنها تترجم حالة العالم الذي يحيون فيه والذي لا يقاربونه مقاربةً ماركسية.

الواقع أن ما يقصده دعاة ما بعد الحداثة هو مروية صراع الطبقات، لكن صراع الطبقات الفعلي شيء لا سبيل إلى زواله مادام المجتمع الطبقي قائماً، وما المروية، سواء أكانت دقيقة أم غير دقيقة، غير تعبيرٍ عن الوجود الفعلي للصراع الطبقي، فكيف تسقط إذا كان الصراع الطبقي لم يسقط، بل ازداد حدة؟

- ما تفسيرك للثورة المصرية وما تمر به من تحولات؟

- الثورة المصرية ثورة ضد الليبرالية الجديدة، ضد اقتصاد السوق الحر الذي جر الويلات على غالبية المصريين، دون أن يستفيد منه سوى أوليجاركية بورجوازية زبون للإمبريالية، إنها ثورة ضد الرأسمالية المحسوبية التي استندت إلى نظامٍ سلطويٍ فاسد يمثل هو نفسه تعبيراً عنها وأداةً من أدواتها، بكل ما يملك من ترسانة قوانين استثنائية وسجون ومعتقلات، إلخ.

كانت هبة 25 كانون الثاني / يناير 2011 هبةً شبابية من أجل الحرية السياسية، تحولت منذ اليوم الثامن والعشرين إلى ثورةٍ شعبية تطمح إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهذه كلها طموحاتٌ لا يمكن تحقيقها ضمن أطر المجتمع البورجوازي، فهو مجتمعٌ أساسه الحرمان والتهميش والإقصاء والامتهان للغالبية العظمى من الشعب. ومن ثم فإن تحقيق هذه الطموحات لا يمكن أن يتم إلا عبر تجاوز هذا المجتمع تجاوزاً ثورياً، وهو تجاوز غير ممكن أصلاً من دون قيام سلطة شعبية تعبر عن أهداف الثورة الشعبية.

- ما تفسيرك لظهور أحزاب يسارية في الشارع المصري الآن؟ وهل يمكنها تجاوز أخطاء أحزاب الماضي؟

- لا تعبر هذه الأحزاب إلا جزئياً عن هذا الجانب أو ذاك من جوانب برنامج التحرر السياسي والاجتماعي، وخياراتها التكتيكية الراهنة المتمثلة في التحالف مع السياسويين الليبراليين البورجوازيين هي خيارات "جبهة شعبية" بورجوازية ليس من شأنها سوى الإسهام في هزيمة الثورة، وتجربة الثورة الإسبانية (1931-1939) درسٌ مفيدٌ لمن يريد أن يتعلم! وإذا كان الفصيل الأكثر جذرية بين صفوف هذه الأحزاب "اليسارية" يؤيد هذا التكتيك الانتهازي فهل يشكل ذلك تجاوزاً لأخطاء أحزاب الماضي؟ بالطبع لا!

- كيف تقرأ صعود التيارات السلفية وقوى الإسلام السياسي الآن؟

- لن تجد في تاريخ الثقافة المصرية الحديثة والمعاصرة مفكراً بورجوازياً ثورياً واحداً ولن تجد في تاريخ الأحزاب السياسية البورجوازية المصرية يعاقبة. لم تحدث ثورة ثقافية تنويرية، ولم يجر فصل الدين عن الدولة وعن التعليم العام، والحبل متروك على الغارب منذ عدة عقود لسيطرة الإسلاميين على التعليم العام وعلى القضاء وعلى الجانب الأوسع من الإعلام. ونسبة الأمية في بلادنا تتجاوز 30% والتعليم منهار والإعلام فاسدٌ ورجعي وأموال أوليجاركية مجلس التعاون الخليجي تتدفق على الدعوة السلفية سعياً إلى درء خطر الثورة الدائمة. ورجال الأعمال من الإخوان المسلمين يسيطرون على نسبة 40% من المشاريع الاقتصادية في القطاع الخاص المصري والحركة الستالينية أصابها الانحطاط ومجمل منظور الحركة القومية البورجوازية انتهى إلى السقوط والهزيمة والشبيبة البائسة التي لم تحصل على تعليم علماني تتطلع إلى التمسك بأي وهم. وكل هذا، وغيره، يجعل نمو التيارات السلفية والإسلام السياسي تعبيراً عن احتدام التوترات الاجتماعية والسياسية الناجمة عن أزمة الرأسمالية المعاصرة وبربريتها، ما يقدم دليلاً جديداً على أن الخروج من مستنقع السلفية والإسلام السياسي مرهون بتحطيم الرأسمالية، فالوشائج بين المستنقع والرأسمالية حميمة والجميع يلعبون بالنار ويحاولون تسميم الوعي العام بسموم التعصب الطائفي والعنصرية واحتقار المرأة ويتآمرون على الشبيبة الثورية وحركات الاحتجاج الاجتماعي النبيلة ويهددون المجتمع بالفاشية وبألف أربعاء دامٍ.


روتشتاين ولينين والمسألة المصرية



بشير السباعي






يعجب المرء أشد العجب عندما يقرأ عدداً من المؤلفات التي صدرت خلال السنوات الأخيرة لباحثين مصريين عن تاريخ الحركة الاجتماعية – السياسية الحديثة والمعاصرة في مصر.



ومصدر هذا العجب هو ذلك الافتقار الملحوظ الذي تشكو منه هذه المؤلفات إلى جانب كبير من المادة الواقعية التاريخية المعروفة، من جهة، وإلى القدرة على التناول العلمي المنسجم والدقيق لموضوعاتها، من جهة أخرى.



ويكفيني الآن أن أشير تأكيداً لهذه الحقيقة، إلى مؤلفات الدكتور رفعت السعيد. فإذا ما توقفنا، مثلاً، أمام الجزء الأول من "تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر"، الذي صار رسالة دكتوراه (ولا أود الآن الحديث عن الترجمة الإنجليزية المقدمة لنيل الدرجة العلمية)، فسوف نجد أنه يفتقر افتقاراً شنيعاً إلى جانبٍ كبيرٍ من المادة الواقعية التاريخية المعروفة، ودليلنا على ذلك أن الكاتب قد أغفل تماماً استخدام كتابات على درجة كبيرة من الخطورة لعدد من القادة الشيوعيين مثل أنطون مارون وروبرت جولدنبرج، حفل بها عدد من الجرائد والمجلات المصرية التي كانت تصدر باللعة الفرنسية في مصر في الربع الأول من هذا القرن، إلى جانب أنه لم يستخدم المادة الموجودة في كتاب أ. شامي: (الحزب الشيوعي المصري)، الصادر باللغة الروسية في موسكو سنة 1929.



والواقع أن المادة الواقعية التاريخية التي تشتمل عليها هذه المصادر من شأنها، لو استخدمت، أن تكشف عن جوانب أساسية في تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر. وطبيعي أن إغفال هذه المادة لابد وأن ينعكس انعكاساً سلبياً على التحليل العلمي.



وقد تسبب إغفال رفعت السعيد لهذه المادة في توريطه توريطاً شديداً. وعلى سبيل المثال، فإن ما ينشره على أنه نص رسالة جوزيف روزنتال إلى الجرائد المصرية، ليس غير جزء فقط من الرسالة، والتي نشر نصها الكامل باللغة الفرنسية في صحيفة (لابورص إيجيبسيين) التي كانت تصدر في الإسكندرية.



كما تفتقر دراسة رفعت السعيد إلى التناول العلمي المنسجم والدقيق. والمسؤول عن ذلك إلى حد بعيد هو رفعت السعيد نفسه، الذي لا يعرف كيف يميز الماركسية من الإصلاحية، ويكفي دليلاً على ذلك اعتباره مصطفى حسنين المنصوري ماركسياً، في حين أن كتابات الرجل نفسها تثبت أنه كان من أتباع هنري جورج الذي انتقده ماركس وإنجلز ولينين انتقاداً شديداً، إلى جانب أن عدداً من المستشرقين المرموقين قد بينوا افتراق (اشتراكية) المنصوري الواضح عن الماركسية، وأذكر من بين هؤلاء المستشرقين، المستشرق السوفييتي زلمان إساكوفيتش ليفين، والمستشرق الألماني الشرقي جيرهارد هيوب.



على أية حال، أنا لا أنوي إخضاع كتابات رفعت السعيد التاريخية لنقدٍ شامل في هذا المقال. فكل ما في الأمر أنني أردت أن أسوق مثالاً لعدد من الدراسات التاريخية المعيبة بمناسبة المقال الذي نشره الدكتور سيد عشماوي في الجزء الأول من مختارات "الثقافة الوطنية".



وأنا لن أعلق على كل ما كتبه الدكتور عشماوي في مقاله، بل سأكتفي بتناول أمرين: أولهما ما ذكره عن ف. أ. روتشتاين (وليس روذستين كما اعتاد مترجمونا ومؤرخونا الكتابة) وثانيهما: ما ذكره عن عرض لينين مساعدة ثورة 1919.
بالنسبة إلى الأمر الأول، أجد أن ما أورده الدكتور عن روتشتاين غير كافٍ، من ناحية، وغير دقيق في جانب منه، من ناحية أخرى. غير كافٍ، لأنه يغفل الإشارة إلى جوانب من نشاط روتشتاين لها صلتها الوثيقة بموقف البلاشفة – اللينينيين من المسألة المصرية، ومن الحركة القومية – التحررية المصرية، ومن مختلف طبقات وفئات المجتمع المصري غداة ثورة 1919.



ومعظم ما أورده الدكتور عن روتشتاين مأخوذ عن مقدمة الترجمة العربية الأولى لكتاب (خراب مصر)، الذي كان قد نشره روتشتاين باللغة الإنجليزية في لندن في سنة 1910. ومن هذه الزاوية، فإن الدكتور عشماوي قد كرر ما فعله من قبله عشرات المؤرخين والكتاب المصريين دون أن يورد جديداً.



وما أود أن ألفت الانتباه إليه وأنا أتحدث عن جوانب من نشاط روتشتاين يغفلها مؤرخونا وكتابنا هو ذلك الجهد العلمي والدعائي الذي قام به روتشتاين بعد عودته إلى روسيا سنة 1920 ، حيث واصل متابعته للمسألة المصرية وأثمرت هذه المتابعة إضافة فصول جديدة إلى كتاب (خراب مصر) والذي صدرت طبعته الروسية الأولى في موسكو سنة 1925 تحت عنوان "انتزاع واستعباد مصر"، وإصدار كتاب جديد في موسكو في السنة نفسها تحت عنوان (الإنجليز في مصر) ومن المحزن أن معظم مؤرخينا لا يعرفون شيئاً عن هذه الفصول الجديدة، التي يواصل فيها روتشتاين تحليله للمسألة المصرية حتى منتصف العشرينيات ولا عن الكتاب الأخير.



ومن ناحية أخرى، فإنني أعتبر ما أورده الدكتور عن روتشتاين غير دقيق، في جانب منه. فليس صحيحاً، مثلاً، أن روتشتاين قد هاجر إلى لندن سنة 1893، بل سنة 1890، كما أنه لم يكن سكرتيراً خاصاً للينين، إذ عمل الرجل غداة عودته إلى روسيا، تحديداً منذ سنة 1921 وحتى سنة 1930، في السلك الدبلوماسي السوفييتي. وعلى أية حال، فإن بالإمكان الرجوع إلى دراسة ن. أ. بروفييف عن روتشتاين، المنشورة في موسكو سنة 1960، بعد سبع سنوات من وفاة روتشتاين، في مجموعة (الإمبريالية وكفاح الطبقة العاملة. إحياءً لذكرى الأكاديمي ف. أ. روتشتاين) إذا كنا نريد الوقوف على المعلومات الأساسية والدقيقة عن الرجل.



أما بالنسبة إلى الأمر الثاني والخاص بما ذكره الدكتور عشماوي عن موقف البلاشفة – اللينينيين من ثورة 1919، فإن من الواضح أن لينين وتروتسكي والقادة البلاشفة الآخرين قد أيدوا الحركات التحررية للأمم والشعوب المضطهدة ضد مختلف القوى الإمبريالية ومن أجل حق تقرير المصير. وبهذا المعنى، يكون صحيحاً تماماً أن يقال أن لينين قد أيد ثورة 1919 وانتفاضة 1921.



لكن ما نختلف مع الدكتور عشماوي فيه هو ما يذهب إليه من أن لينين قد (عرض على الوفد المساعدة وتدعيم نضال حركته).



فأولاً: لا توجد وثيقة لينينية واحدة بين أعمال لينين الكاملة التي اكتمل صدور طبعتها الروسية الخامسة منذ سنوات في 55 مجلداً، ولا في أجزاء (المجموعة اللينينة) التي صدرت حتى الآن منذ اكتمال نشر الطبعة الروسية الخامسة لأعمال لينين الكاملة، وهي مخصصة لنشر كتابات لينين التي لم يسبق لها النشر، تشهد على أن لينين قد قدم مثل هذا العرض.
وثانياً: لا توجد في كتب المذكرات الروسية، ولا في الكتابات التاريخية السوفييتية عن لينين، أو عن الكومنترن، أو عن الحركات القومية – التحررية في الشرق، إشارة واحدة إلى أن لينين قد قدم مثل هذا العرض.



وثالثاً: فقد ذكر لي المستشرق السوفييتي شرباتوف سنة 1969 أنه لا توجد أي وثائق لينينية تفيد أن لينين قد قدم عرضاً كهذا. وقال لي بالحرف الواحد ( إذا كان لدى المؤرخين المصريين وثائق تفيد ذلك، فلماذا لا يقومون بإعلانها؟).
ورابعاً: فإن الدكتور عشماوي يناقض نفسه، فهو يقول أن لينين قد قدم هذا العرض سنة 1919، ثم يعود بعد ذلك إلى الاستشهاد بأقوال علي إسماعيل الذي يقول أن هذا العرض قد وصل إلى سعد زغلول في جبل طارق، أي سنة 1922.
وخامساً: وهذا هو الأهم، فإننا نستبعد تماماً أن يكون لينين قد عرض ... على الوفد مساعدة وتدعيم نضال حركته، وذلك لسبب جد بسيط: ألا وهو أن لينين لم يكن على استعداد لتدعيم نضال حركة حزب كحزب الوفد.



إن هدف اقتراب الشيوعيين الثوريين من بروليتاريا وشعوب الشرق، لم يكن من الممكن، في تصور لينين، التوصل إليه عن طريق تدعيم نضال حركة القوميين الليبراليين في الشرق. وقد حدد جوليان، مقرر لجنة المسألة الشرقية، أمام المؤتمر العالمي الثالث للكومنترن سنة 1921، قبل أشهر قليلة فقط من نفي سعد زغلول إلى سيشل ثم إلى جبل طارق، موقف الكومنترن من هؤلاء القوميين، حيث أعلن أن الشيوعيين لن يتمكنوا من الاقتراب من شعوب وبروليتاريا الشرق إلا إذا حققوا القطيعة مع الطبقات القوموية. وقد دعا إلى كشف القوميين وإلى البدء في اللحظة اللازمة بتحقيق قيادة شيوعية للحركة التحررية في تزاحم مع القادة القوميين وضد هؤلاء القادة. (انظر: المؤتمر العالمي الثالث للأممية الشيوعية، بتروجراد، 1922، صفحة 479). والمعروف أن لينين، الذي شارك في أعمال المؤتمر الثالث للكومنترن، لم يعترض على تقرير جوليان. ومن ناحية أخرى، فإننا نتساءل: كيف يمكن للكومنترن الذي أجاز تقريراً كهذا أن يرسل مندوبه إلى جبل طارق لبحث دعم حركة الوفد؟.



بقيت نقطة أخيرة: ليس هناك ما يدعو إلى استسهال التأمين على كل كلمة يقولها مارسيل إسرائيل، مثلما يفعل الدكتور رفعت السعيد. فليس صحيحاً، مثلاً، أن لينين كان يرسل كل رسائله إلى الحزب البلشفي عن طريق مصر(!)، لأن طرق اتصال لينين مع الحزب كانت عديدة، بل إن طريق الإسكندرية كان واحداً من طرق عديدة لوصول الإيسكرا إلى روسيا. وهذه الطرق العديدة مبينة على الخرائط المنشورة في الكتب الروسية عن جريدة الإيسكرا وعن تاريخ الحزب البُلشفي.



(مجلة "الثقافة الوطنية"، القاهرة، فبراير 1989)

إجابات وتعليقات موجزة على أسئلة واتهامات غاضبة





بشير السباعي



أحمد صادق سعد





بادئ ذي بدء، أرجو من القارئ الكريم إعفائي من "الرد" على مهاترات وشتائم الدكتور رفعت السعيد التي أعاد شحذ نصالها في عدد أبريل 1989 من هذه المجلة.



والواقع أنني كنت قد قصدت من وراء نبرة ردي – الهادئة – على مقاله الذي نشره في عدد مارس 1989 أن تكون رسالة غير مباشرة إليه تدعوه إلى تجنب الانجرار إلى المهاترات والشتائم، خاصةً وأن المعارك الفكرية لا يمكن كسبها عن طريق مثل هذه الوسائل. ولكن يبدو أن رسالتي إلى الدكتور لم تصل، وأنا لا أملك سوى الأسف لذلك.



* * *



إجابة على تساؤلات:



يتساءل الدكتور رفعت السعيد: أين ومتى وكيف كان ستالين طرفاً في مناظرة حول أشكال ومراحل تطور التنظيم الاجتماعي؟



وجوابي على هذا التساؤل هو أن ستالين قد تحدث عن أشكال ومراحل تطور التنظيم الاجتماعي في كراسه الشهير:


"المادية الجدلية والمادية التاريخية" في عام 1938 والذي يشكل الجزء الثاني من الفصل الرابع من كتاب: "تاريخ الحزب الشيوعي السوفييتي/ البلاشفة". وفي هذا الكراس يحدد ستالين خمسة أنماط أساسية للتنظيم الاجتماعي ولا يشير إلى النمط الآسيوي للإنتاج(1).



أما المناظرة الستالينية ضد أطروحة ماركس عن النمط الآسيوي للإنتاج فقد بدأت على نطاق محدود في عام 1929 ثم اتسعت في عامي 1930 و1931. وكان أبرز فرسان هذه الحملة هم ج. دوبروفسكي و ي. يولك و م.جوديس. وقد اتهموا ماركس بقصور المعلومات وبعدم فهم النمط الإقطاعي للإنتاج (ج. دوبروفسكي) وبعدم فهم تعاليمه هو! (ي. يولك) ويمكن للدكتور الرجوع إلى كتاب ج. دوبروفسكي: "حول مسألة جوهر النمط الآسيوي للإنتاج"، موسكو، 1929، بالروسية، وإلى مداخلة ي. يولك المنشورة في كتاب: "مناقشة حول النمط الآسيوي للإنتاج"، موسكو- لينينجراد، 1931، بالروسية، وإلى مداخلة م. جوديس في هذا الكتاب الأخير. كما أن الباحث الاقتصادي السوفييتي الشهير ي. فارجا قد قدم عرضاً جيداً لهذه المناظرة في كتاب: "دراسات حول مشكلات الاقتصاد السياسي للرأسمالية"، موسكو، 1964، بالروسية. ونحيل الدكتور إلى الترجمة الإنجليزية لهذا الكتاب (ص ص 230-351)، والمنشورة في موسكو في عام 1968 تحت عنوان: "المشكلات السياسية – الاقتصادية للرأسمالية" (2).



ويتساءل الدكتور رفعت السعيد: ما هو المقصود بالقول بأن مراحل التطور الخمس (المشاعية البدائية – العبودية – الإقطاع – الرأسمالية – الشيوعية) مراحل "ضرورية"؟



وجوابي على هذه التساؤل هو أن المقصود بهذا القول هو أن المراحل الخمس مراحل لابد لأي مجتمع بشري من المرور بالمراحل الأربع الأولى منها كلها قبل أن يصل إلى المرحلة الشيوعية، وهو قول استنكره ماركس بشدة في عام 1877 (3)، كما أنه يتعارض مع الواقع التاريخي.



ويتساءل الدكتور رفعت السعيد: بأي حق سمح كاتب هذه السطور لنفسه تصنيف المستشرقين السوفييت إلى ثلاث مجموعات متمايزة في المناظرة حول مشكلات التطور التاريخي لبلدان الشرق وتحديد أسماء ممثلين بارزين لهذه المجموعات؟



وجوابي على هذا التساؤل هو أن هذا التصنيف وهذا التحديد ليسا من عندي – رغم أنهما من حقي ومن حق كل متابع للاستشراق السوفييتي في مصادره الاصلية! - بل هما من عند المستشرق السوفييتي ل. ب. آلايف والذي قام بهما في مقال يمكن للدكتور الرجوع إليه في مجلة "شعوب آسيا وأفريقيا" الروسية، العدد 4، عام 1977، ص ص 67 - 79!.
ويتساءل الدكتور رفعت السعيد أخيراً – وأعتذر للقارئ الكريم إذ أورد هذا التساؤل (!) وإذ أجيب عليه: إذا كان بشير السباعي يضع توراييف في الدرجة العاشرة، ففي أية درجة يضع بشير السباعي نفسه؟



وجوابي على هذا التساؤل هو أنني أضع نفسي في الدرجة التي يضع نفسه فيها أي إنسان عادي بسيط يحترم الحقيقة التاريخية ويدافع عنها في وجه أي مزور لها، حتى ولو كان هذا المزور عضواً في معهد الاستشراق!



المادية التاريخية:



يعلن الدكتور رفعت السعيد نقطتين يدعو إلى وجوب التوقف عندهما:



1- أن المادية التاريخية ركن أساسي من أركان الماركسية.
2- أن المادية التاريخية تقوم على أساس أطروحة مراحل التطور الخمس وأن هذه الأطروحة تشكل جوهر المادية التاريخية.



بالنسبة للنقطة الأولى، لا أدري بالتحديد ضد من يعلنها الدكتور، فأي ملم بالماركسية سواء كان ماركسياً أم لم يكن، لا يمكن أن ينكر هذه الحقيقة.



وبالنسبة للنقطة الثانية، يكرر الدكتور ما سبق أن قاله في عدد مارس 1989 من هذه المجلة وما سبق أن رددنا عليه في عدد أبريل 1989. وللمرة الثانية يعجز الدكتور، الذي يزعم أن ماركس وإنجلز ولينين يؤيدون هذا الزعم، عن إيراد استشهاد واحد من ماركس أو إنجلز أو لينين لتأييد زعمه، وبدلاً من ذلك، يحيلنا الدكتور إلى: السيد غليزرمان الذي لا تعلو درجته كثيراً عن درجة السيد توراييف!



وحسماً لهذه النقطة، أود أن ألفت انتباه الدكتور إلى أن ما ذكره كاتب هذه السطور في عدد أبريل 1989 من هذه المجلة عن جوهر المادية التاريخية لم يكن أكثر من إعادة طرح لما ذكره إنجلز عن هذا الموضوع في رسالته إلى ج. بلوخ بتاريخ 21-22 سبتمبر 1890 وفي مقدمته للطبعة الإنجليزية لكراس: "الاشتراكية: الطوباوية والعلمية"، الصادرة في عام 1892 – وأرجو من الدكتور ألا يتصور أنني كنت أزرع "لغماً" تروتسكياً في طريقه، فالرسالة والمقدمة مشهورتان إلى حدٍ بعيد!



نمط مستقل أم حالة خاصة لنمط آخر؟



يشير الدكتور رفعت السعيد إلى أن ماركس وإنجلز لم يعتبرا النمط الآسيوي للإنتاج نمطاً مستقلاً، ويحاول الإيحاء بأن ماركس وإنجلز كانا يعتبران هذا النمط حالة خاصة من حالات العبودية أوالإقطاع!



وعلاوة على أن الدكتور لا يثبت صحة هذه الإشارة ولا مشروعية هذا الإيحاء، فإنه عندما يورد جملة ماركس الشهيرة في مقدمة كتاب: "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" والتي يتحدث فيها ماركس عن أنماط إنتاج متميزة، يحذف عمداً إشارة ماركس إلى النمط الآسيوي للإنتاج والتي ترد قبل إشارة ماركس إلى الأنماط الأخرى: القديم والإقطاعي والبورجوازي الحديث!



وللاطلاع على تفنيد تفصيلي لمثل هذه الإشارة وهذا الإيحاء، نحيل القارئ إلى كتاب الباحث السوفييتي ي. فارجا الذي سبقت الإشارة إليه.



ابتكار:



ويستخدم الدكتور رفعت السعيد مصطلحاً جديداً من ابتكاره، هو مصطلح "التشكيلة الخماسية"!



وتعليقاً على هذا الابتكار، نُذَكِّرُ الدكتور بأن من الممكن الحديث عن "تشكيلات اجتماعية – اقتصادية" وعن مخطط لهذه التشكيلات، أما الحديث عن "تشكيلة خماسية" فهو لغز من الألغاز، لا أكثر ولا أقل!



"تأميم" أحمد صادق سعد لحساب "التروتسكية"!



يتصور الدكتور رفعت السعيد أن هناك مؤامرة لـ "تأميم" أحمد صادق سعد لحساب "التروتسكية". وهذا التصور لا يستند إلى أي أساس. فمعركة أحمد صادق سعد مع الستالينية معركة جزئية، وتبني أطروحة النمط الآسيوي للإنتاج ليس علامة فارقة من علامات "التروتسكية" التي يحلو للكثيرين عندنا الحديث عنها وإصدار أحكام بشأنها وبشأن علاقتها بالماركسية دون أن يكونوا قد اطلعوا على كتابات تروتسكي!



المسألة باختصار، هي أن "التروتسكية" تعتبر أطروحة النمط الآسيوي للإنتاج أطروحة ماركسية وأن البحث التاريخي هو وحده الذي يمكن أن يسمح بالتحقق من مدى صحة هذه الأطروحة وأن حذف هذه الأطروحة ليس غير تزييف لآراء ماركس عن أنماط الإنتاج وأن الستالينية قد تورطت في مثل هذا التزييف!



فما الذي يثير الدهشة في هذا الكلام؟!



وما هو "المنطق" الذي يجيز اعتبار هذا الكلام عداءً للماركسية أو دليلاً على الإنتقائية؟!



الحواشي:



(1) انظر، "تاريخ الحزب الشيوعي السوفييتي (البلاشفة)"، موسكو، 1943، ص 123، بالإنجليزية.
(2) يعتبر ي. فارجا (1879-1964) من أبرز الباحثين الاقتصاديين السوفييت، وهو من أصل مجري. وقد عارض جوانب من الستالينية خلال أواخر الأربعينيات، الأمر الذي قاد إلى التنكيل به. ولم يجر رد الاعتبار إليه إلا بعد موت ستالين.
(3) انظر، رسالة ماركس إلى هيئة تحرير مجلة "المذكرات الوطنية" الروسية، والمنشورة في ك. ماركس و ف. إنجلز: "المراسلات المختارة"، موسكو، 1965، ص ص 311-313، بالإنجليزية. وفي هذه الرسالة المهمة، يسخر ماركس من ميخائيلوفسكي على النحو التالي: "إنه يشعر أنه يجب عليه وجوباً مطلقاً أن يمسخ مخططي التاريخي لأصل الرأسمالية في أوروبا الغربية وأن يحوله إلى نظرية تاريخية – فلسفية عن الطريق العام الذي كتب على كل شعب أن يسلكه، أيًا كانت الظروف التاريخية التي يجد نفسه فيها، حتى يتسنى له أن يصل في نهاية الأمر إلى شكل الاقتصاد الذي يكفل أكمل تطور للإنسان، إلى جانب أكبر اتساع للقوى الإنتاجية للعمل الاجتماعي. لكنني أطلب عفوه"، وقد وصف ماركس مثل هذه النظرية التاريخية – الفلسفية بأنها "مفارقة للتاريخ"!



ومن الواضح أن كلام ماركس هذا يتعارض على طول الخط مع مخطط المراحل الخمس الضرورية الذي عرضه ستالين في كراس "المادية الجدلية والمادية التاريخية" والذي خلق مشاكل عسيرة للمؤرخين السوفييت الذين استسلموا لاستئصال ستالين أطروحة ماركس عن النمط الآسيوي للإنتاج وأخذوا يجهدون أنفسهم في البحث عن تعاقب المراحل الأربع الأولى في تاريخ كل شعب وفي محاولة اكتشاف عبودية أو إقطاع في تاريخ شعوب لم تعرف قط عبودية أو إقطاعاً، الأمر الذي قاد إلى تزييف تاريخ شعوب بأكملها وإلى تخلف الدراسات التاريخية السوفييتية على مدار عقود. ولم يكن هذا التزييف وهذا التخلف غير نتيجة منطقية للانطلاق من "نظرية تاريخية – فلسفية عن الطريق العام الذي كتب على كل شعب أن يسلكه".




مجلة "أدب ونقد"، القاهرة، سبتمبر – أكتوبر 1989




(ملحق)
(رسالة إلى رئيس تحرير مجلة "مجلة أدب ونقد")



السيدة / فريدة النقاش، رئيس تحرير مجلة "أدب ونقد"
تحية صافية



إذا كان من الواضح أننا ليس لدينا اعتراض على قراركم بوقف النقاش الذي بدأه الدكتور رفعت السعيد ضدنا – ذلك النقاش الذي لم نفرضه أصلاً بل فرضه الدكتور علينا دون أن ينجح في إثرائه (1) – فلابد أنه من الواضح أيضاً أن ذلك لا يعني التخلي عن حقنا في الرد على المزاعم والافتراءات التي وجهها الدكتور ضدنا في رسالته إليكم والمنشورة في عدد نوفمبر 1989 والتي لا دخل لها بموضوع النقاش الذي بدأه.



فأولاً، يتهمنا الدكتور بأننا نعتقد دون أية رغبة في التسامح أننا نمتلك ناصية الحقيقة المطلقة، وهو اعتقاد لا ندري مبرراته، خاصة وأننا كنا قد طالبناه بأن يؤكد مزاعمه التي ينسب فيها مخطط المراحل الخمس إلى ماركس ولينين ولو بإيراد استشهاد واحد فقط من ماركس أو من لينين، وهو ما يعني أننا قد أبدينا استعدادنا سلفاً للتخلي عن تصوراتنا في هذا الصدد إذا ما جاء الدكتور بمثل هذا الاستشهاد، وهو ما عجز عنه في جميع مداخلاته، بينما أوردنا نحن استشهاداً واضحاً من ماركس يؤكد زيف زعمه!



وثانياً، يزعم الدكتور أن اتهامنا له بالستالينية – ما يسميه باستخدام "أوصاف غير مبررة"! – في الموضوع المثار – ليس له ما يبرره. ونحن لا ندري كيف يكون هذا الاتهام غير مبرر في الوقت الذي لم يبرر فيه الدكتور كيف تختلف الفكرة التي يدافع عنها عن الفكرة التي دافع عنها ستالين (1879-1953) في كراس "المادية الجدلية والمادية التاريخية"، والتي لم يوافق عليها ماركس أو لينين. ومن الواضح أن تنصل الدكتور – اللفظي والمتأخر – من الستالينية – في هذا الوقت بالذات – ليس غير مظهر من مظاهر الرعب أمام انهيار الستالينية المدوي الذي يشاهده العالم بأسره الآن! (2)



وثالثاً، يزعم الدكتور أن ردنا الأخير عليه كان حافلاً بمجموعة من الاقتباسات كلها بالروسية، في حين أن الرد المذكور، رغم إشارته إلى مراجع روسية، لم يورد غير اقتباس واحد من رسالة ماركس إلى هيئة تحرير مجلة "المذكرات الوطنية"، أشرنا إلى مصدره في ترجمته الإنجليزية وأوردناه مترجماً إلى العربية في الهامش!



وأخيراً يتهمنا الدكتور – من الناحية الفعلية – بالاحتيال إذ نشير إلى مراجع روسية، فهو يذكر أنه يعتقد أننا – مثله – لا نعرف الروسية، وذلك دون أن يورد مبررًا واحدًا لهذا "الاعتقاد"! ومن الواضح أننا إذ نثير هذه النقطة لا نهدف إلى تذكير أحد بترجماتنا لعدد من الدراسات الاستشراقية الروسية والتي أشارت مجلة "أدب ونقد" بالفعل إلى إحداها في صدر عدد فبراير 1989، فما نهدف إليه هو مجرد الإشارة إلى أن موضوعات هذه الدراسات كلها تندرج ضمن إطار الموضوعات التي يزعم الدكتور الاهتمام بها!



بشير السباعي
27-11-1989



(1) الواقع إننا إزاء عجز الدكتور البين عن إثراء المناقشة كنا قد بادرنا بإبلاغ السيد سكرتير تحرير المجلة – بعد نشر ردنا الأخير – أننا نكتفي بما قلناه!
(2) ومن هول الصدمة، يبدو أن الدكتور فقد توازنه تماماً، فهو يتحدث في رسالته عن "التروتسكية"، مؤكدًا – جادًا لا مازحًا! – أنها قد أصبحت الآن "مرفوضة أكثر من ذي قبل"! وذلك دون أن يوضح لأحد صلة هذا "الاعتقاد" (!) بموضوع المناقشة!




[ لم تشأ "أدب ونقد" نشر هذه الرسالة ونشرت، بدلاً من ذلك، كلاماً فارغاً تحت عنوان "توضيح من بشير السباعي"، وكأن توضيحي الوارد بالرسالة المنشورة أعلاه ليس واضحاً ! ]

ماركسية أم ستالينية؟



بشير السباعي



في عدد مارس 1989 من مجلة "أدب ونقد" اتهمني الدكتور رفعت السعيد بـ "مهاجمة الماركسية بحجة مهاجمة الستالينية" وباتهامات أخرى تندرج، بطبيعة الحال، تحت هذا الاتهام الرئيسي.



"والجريمة" التي ارتكبتها تتلخص في أنني كنت قد ذكرت في مقال موجز لي في عدد فبراير 1989 من مجلة "أدب ونقد" أن محاولة أحمد صادق سعد (1919-1988) تقديم رؤية جديدة للتاريخ المصري تستند إلى أطروحة كارل ماركس (1818-1883) المعروفة عن النمط الآسيوي للإنتاج قد دلت على نفوره المتزايد من الأطروحة الستالينية عن مراحل التطور الخمس الضرورية وأن كتابات أحمد صادق سعد الأخيرة تشهد على التوتر الذي أخذ يتزايد احتداداً في تفكيره بين العقائد الستالينية الجامدة ونتائج البحث الماركسي الجديد في تاريخ وحاضر العالم الثالث، خاصة مصر والعالم الإسلامي.



هذه هي "الجريمة" التي ارتكبتها، إذ أن الدكتور رفعت السعيد يعتبر الأطروحة الخاصة بمراحل التطور الخمس أطروحةً ماركسية ولينينية وأنها تشكل جوهر المادية التاريخية، في حين أنني أعتبر هذه الأطروحة أطروحة ستالينية وأن جوهر المادية التاريخية يقع في مجال آخر غير مجال "مراحل" التطور، بصرف النظر عن عدد هذه "المراحل" !
والحال أن أطروحة مراحل التطور الخمس الضرورية تستبعد النمط الآسيوي للإنتاج الذي لم يستبعده لا ماركس ولا إنجلز (1820-1895) ولا لينين (1870-1924). ورغم أن إنجلز لا يشير إلى النمط الآسيوي للإنتاج في كتابه: "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" (زيورخ، 1884) ، إلا أن لينين الذي استشهد في كتابه: "من هم أصدقاء الشعب وكيف يحاربون الاشتراكيين – الديموقراطيين؟" (1894) بإشارة ماركس إلى النمط الآسيوي للإنتاج قد اعتمد في كتابه المذكور نفسه على كتاب إنجلز، ورغم ذلك فإنه – كما يذكر الكاتب السوفييتي ن. ب. تير – آكوبيان – لم يعتبر كتاب إنجلز متعارضاً مع مخطط ماركس عن التشكيلات الاجتماعية – الاقتصادية! (1).



وعلى أية حال، فقد سخر ماركس نفسه في نوفمبر 1877 من محاولة ن. ك. ميخائيلوفسكي (1842 – 1904)، الشعبي الروسي، تصوير أطروحته عن مسار التطور الذي قاد إلى ظهور الرأسمالية في أوروبا الغربية على أنها أطروحة عن مراحل تطور جميع المجتمعات البشرية بوجه عام. والحال أن ي. ف. ستالين (1879-1953) قد تورط في مثل هذه المحاولة خلال الثلاثينيات (3). ولهذا السبب فقد سميت أطروحة "مراحل التطور الخمس الضرورية" أطروحة ستالينية وغير ماركسية، لأن الستالينيين قد عمموا هذه الأطروحة على مجمل التاريخ البشري العالمي واستبعدوا أطروحة ماركس عن النمط الآسيوي للإنتاج على مدار عقود لم تحدث خلالها مناقشة واحدة في صفوف أي حزب ستاليني بشأنها إلا بعد سنوات من رحيل ستالين ! (4).



ومن ناحية أخرى، فإن جوهر المادية التاريخية يقع في مجال آخر غير مجال مراحل التطور التي ميزت المسيرة التاريخية لهذا المجتمع المحدد أو ذاك. فهذا الجوهر يتمثل في الكشف عن التفاعل الجدلي بين العناصر الموضوعية والذاتية للتطور التاريخي للمجتمعات البشرية مع إيلاء الأولوية في عملية تحديد المسيرة التاريخية لعناصر موضوعية على رأسها تبدل أنماط الإنتاج والتبادل، وانقسام المجتمع – الناشئ عن ذلك – إلى طبقات متمايزة ونضالات هذه الطبقات الواحدة ضد الأخرى.



وأخيراً، فإن من حق الدكتور رفعت السعيد أن يختلف مع أحمد صادق سعد – ومع ماركس نفسه – في مشروعية تطبيق أطروحة النمط الآسيوي للإنتاج على التاريخ المصري، إلا أن ما ليس من حق الدكتور هو الإيحاء بأن هذه الأطروحة غير ماركسية أو معادية للماركسية، فالدكتور – باختصار – لا يمكن أن يكون ماركسياً أكثر من ماركس!!



الحواشي:



(1) ن. ب. تير – آكوبيان: "آراء ماركس وإنجلز حول النمط الآسيوي للإنتاج والمشترك القروي" في كتاب: "من تاريخ الماركسية والحركة العمالية الدولية" موسكو، 1973، ص ص 170 – 171، بالروسية.



(2) ك. ماركس و ف. إنجلز الأعمال الكاملة، المجلد 19، ص 120، بالروسية، أو ك. ماركس وف. إنجلز، المراسلات المختارة، موسكو، 1965، ص 313، بالإنجليزية.



(3) ج. ستالين، مسائل اللينينية، بكين، 1977، ص 877، بالفرنسية.



(4) حين وجد الدكتور رفعت السعيد نفسه عاجزاً عن إيراد استشهاد واحد من ماركس أو إنجلز أو لينين يفيد أن ماركس قد اعتبر "المراحل الخمس" ضرورية لتطور جميع المجتمعات، غرباً وشرقاً، شمالاً وجنوباً، لجأ إلى الاستشهاد بكاتب ستاليني من الدرجة العاشرة، متصوراً أن هذا الكاتب يعبر عن رأي جماعي موحد للمستشرقين السوفييت!.



والحال أن هناك ثلاثة اتجاهات في الاستشراق السوفييتي:



1- اتجاه ف. ن. نيكيفوروف ورفاقه الذين يرون أن الشرق قد مر بذات مراحل التطور التي مر بها الغرب الأوروبي؛
2- اتجاه ل. س. فاسيليف ورفاقه الذين يرفضون الأطروحة الستالينية عن مراحل التطور الخمس ويرون أن الشرق قد سلك في تطوره مساراً يختلف جذرياً – على مدار نحو ألفي سنة – عن مسار تطور الغرب الأوروبي، يتميز بسيادة النمط الآسيوي للإنتاج على ما عداه من أنماط؛
3- اتجاه ثالث يتخذ موقف التوفيق بين الاتجاهين السابقين.



ومن الناحية التاريخية، فإن اتجاه ف. ن. نيكيفوروف ورفاقه ليس غير امتداد لاتجاه الاستشراق الستاليني الذي يرجع إلى الثلاثينيات، أما الاتجاه الثاني فقد ظهر في أواسط الستينيات، بينما ظهر الاتجاه الثالث في أواخر الستينيات.
وللوقوف على معالم الاتجاه الأول، نحيل القارئ إلى كتاب ف. ن. نيكيفوروف: "الشرق والتاريخ العالمي"، موسكو، 1975، بالروسية.



وللوقوف على معالم الاتجاه الثاني، نحيل القارئ إلى مقال ل. س. فاسيليف: "العام والخاص في التطور التاريخي لبلدان الشرق" في مجلة (شعوب آسيا وأفر يقيا)، 1965، العدد رقم 6، بالروسية.



وللوقوف على معالم الاتجاه الثالث، نحيل القارئ إلى "مقدمة" و"خاتمة" كتاب: "تاريخ الهند في العصور الوسطى"، موسكو، 1968، بالروسية.



(5) يشير ن. ب. تير – آكوبيان في دراسته التي سلفت الإشارة إليها في الحاشية رقم (1) إلى أن ماركس وإنجلز "نظرا إلى المجتمع الشرقي (مصر والهند تحديداً) بوصفه شكلاً خاصاً من أشكال التنظيم الاجتماعي، يتميز عن الأشكال (أو المراحل) الأخرى لتطور المجتمع البشري" (ص181). وفيما يتعلق بمصر تحديداً، أشار الكاتب إلى مقال لماركس يرجع إلى يناير 1849، أي ما قبل عشر سنوات من طرح المصطلح.



وبهذه المناسبة ، أود أن أشير إلى أن أحمد صادق سعد كان قد حث كاتب هذه السطور، خلال حديث دار بينهما، على ترجمة دراسة ن. ب. تير – آكوبيان. ويبدو أنه قد آن الأوان لإنجاز هذه المهمة.



مجلة "أدب ونقد"، القاهرة، سبتمبر – أكتوبر 1989