النوافذ

قسطنطين كافافي

النوافذ

في هذه الغرفِ المعتمةِ حيثُ أَنوءُ بالأيام

أَجُوسُ هنا وهناك كيما أجد النوافذ.-

عَلَّنِي أجدُ عزاءً في أن تكون إحداها مفتوحةً.-

لكنَّ النوافذَ لا سبيلَ إليها

أو أنني أنا الذي لم أعرف كيف أجدُها.

لعلَّ هذا أفضل،

فالنورُ قد يكونُ عذابًا جديدًا.

من يدري ما الذي قد يجيءُ به؟

ترجمة: بشير السباعي

عن ترجمة فرانسوا سوماريبا الفرنسية

من دون أيِّ مهلة

قسطنطين كافافي

من دون أيِّ مُهلة

بينما تُخامِرُنا المخاوفُ والشكوك،

والفكرُ شاردٌ،

والعيونُ بالرعبِ غاصَّةٌ، متشنِّجَة،

نقول لأنفسنا ما العمل لكي ننجو

من الخطرِ الرهيبِ الذي يتهدَّدُنا.

لكننا نخطئُ، فهذا الخطرُ

لن نكون مضطرِّين إلى مواجهتهِ،

فالنُّذُرُ كانت خادعة

(أو أننا نحنُ الذين أسأنا تفسيرَها).

كارثةٌ أخرى غيرُ متوَقَّعةٍ،

مفاجِئَةٌ ولا مهرب منها، تحيقُ بنا،

تأخذنا على حين غِرَّة وتُودِي بِنا،

من دون أن تَدَعَ لنا أيَّ مُهلة.

ترجمة: بشير السباعي

عن ترجمة فرانسوا سوماريبا الفرنسية

تَوَسُّل

قسطنطين كافافي

تَوَسُّل

سَحَبَ البحرُ إلى أعماقِهِ بحَّارًا.-

أُمُّهُ، لجهلها مصيرِه، ذهبتْ لتوقِدَ

شمعةً كبيرةً للعذراء مُتَوَسِّلَةً إليها

أن يُعيدَ إليها ابنَها طقسٌ مؤات-

بينما تحسب بأذنيها قوة الرياح.

ولكن فيما المرأةُ تَتَوسَّلُ،

تُنصتُ الأيقونةُ، مهمومةً وحزينة،

لأنها تعرفُ

أن الابن الذي تنتظرُهُ لن يرجعَ أبدًا.

ترجمة: بشير السباعي

عن ترجمة فرانسوا سوماريبا الفرنسية

استيهامات_27

20 ديسمبر 2011

ماري - جوزيف دو شينييه (1764-1811) واحدٌ من شعراء فرنسا الغنائيين البارزين.

هو ابن يونانية من القسطنطينية (هو نفسه وُلِدَ هناك).

من أبرز أناشيده نشيد الرحيل، الذي صاغ موسيقاه إيتيان ميهيل في عام 1794.

يستدعي شينييه في هذا النشيد مأثرة جوزيف بارا.

في عام 1793، حارب بارا في صفوف وحدة من وحدات جيش الجمهورية ضد الثورة المضادة قرب شوليه.

عندما أسره الفانديون هناك أمروه بأن يهتف "عاش الملك!" فهتف " عاشت الجمهورية!" فقتلوه وأصبح بطلاً من أبطال الشعب.


(استشهاد بارا)


في عام 1793 هذا نفسه، حارب جوزيف أجريكول فيالا الملكيين الفرنسيين وقطع حبل الجسر العائم على نهر الديرانس ليمنع أعداء الثورة الفانديين من العبور، ومات شهيدًا.

(فيالا)

استشهد الأول في الرابعة عشر من العمر واستشهد الأخير في الثالثة عشر.

يتساءل الفاندييون في بلادنا هل يمكن أن يكون الأطفال ثوارًا؟

تساؤلٌ لم يخطر ببال الفانديين الفرنسيين.

غباء الثورة المضادة في مصر لايُبارى!

قسطنطين كافافي - مقال لأحمد راسم

أحمد راسم

قسطنطين كافافي

ها هو ذا واحد آخر يرحل عنا! بكل بساطة... كالآخرين. ملمحٌ جميل من أزمنة ولَّت كان يضفي شيئًا من الرونق على مدينة الإسكندرية. أما بيته الحافل بالأسرار، في شارع ليبسيوس، حيث كانت بضع شموع تعكس على الجدران ظلالاً غريبة، فقد كان يشيع حوله موجاتٍ مفعمةٍ بالشعر وباللغز. لقد كان يحب الأشكال الجميلة والأفكار الجميلة وكان يتجول على امتداد الأرصفة كظل. بينما كان حيًّا، كان شبحًا بالفعل، وبموته، يبدو أنه قد أصبح أكثر حياة.

لم ألتقِ بالرجل في حياتي ولا مرةً واحدة، لكن ما أكثر أصدقائي الذين كانوا جد معجبين بشعره.

ذات يوم قال لي بيتريدس:

- هذا الشاعر ليس البتة ذلك النبع الصافي الذي ينشد في الفجر كل صباح؛ ولا هو أيضًا النافورة التي تروي ظمأ من به كرب؛ إنه شراب محبة، شراب محبة رائق الماء وعذب الغناء. لم يكتب غير عدد قليل من القصائد، يرسلها إلى أصدقائه عندما يطبعها على أوراق منفصلة.

كما قال لي بيتريدس:

- قرأتُ ذات مرة لكافافي المثل العربي التالي، الذي كنت قد عثرت عليه للتوِّ في مجلة أدبية:

" تضع أنثى النسر ثلاث بيضات. ومن الثلاث، تهمل واحدة وترقد على البيضتين الأخريين. ومن فرخيها، لا تطعم غير واحد.

- أيها الشاعر، لتحذُ حذْو أنثى النسر؛ وإن كتبت ثلاث قصائد، فلتكن لديك الجسارة على إعدام اثنتين منها ".

عندئذ مسح كافافي صدره بيده مسح من به شهوة وقال:

" لَكَمْ أفهمُ أنثى النسر! إنني أفهم هذا المثل. إنني أحب هذا المثل وأحسه ".

*

لم أقرأ لكافافي غير بضع قصائد مترجمة أحسستُ بقوة جمالها . لكن المرء لا يمكنه، في حالةٍ كهذه، أن يجيز لنفسه الحديث عن شاعرٍ عظيم.

لكن (ستافروس) ستافرينوس (رئيس تحرير مجلة "لاسومين ايجيبسيان" . – المترجم) ، وهو رجل عنيد، يطلب إليَّ، مهما يكن، بضعة سطور عن كافافي.

من رسالةٍ تلقيتها أخيرًا من الرسام ماكريس ، يسعدني أن أعيد نسخ هذه الفقرة وفي ذهني الأب ستافرينوس... وروح كافافي الرومانسية الرقيقة:

"لكن الديك الذي يقف على الإفريز، جد قريب من غرفتي، لم يصِحْ البتة عندما دقت ساعة المحطة الجديدة في الواحدة أو الثانية أو الثالثة فجرًا. إنه لا يصيح إلاَّ في الواحدة ونصفًا أو الثانية ونصفًا أو الثالثة ونصفًا."

ليسمح لي صديقي وشاعري الكبير بأن أذكره بهذا المثل الذي سمعناه صغارًا:

"الديك لا يصيح إلاَّ في ساعة صياحه في موطنه الأصلي".

والحال أن كل من أتيح له امتياز قراءة شعرك لابد من أن تكون روحه روحًا مُعَذَّبة حتى يتسنى له فهمك.

(1933)

(ترجمة بشير السباعي عن الأصل الفرنسي)