سورياليون أم تروتسكيون؟

بشير السباعي







يتناول كتاب "السيريالية في مصر" للصحافي الشاب سمير غريب جانبًا مهمًّا من جوانب تاريخنا الفكري والأدبي والفني المعاصر، ذلك الجانب الخاص بالمساهمة التي قدمتها الحركة السوريالية المصرية إلى حياتنا الثقافية في ثلاثينيات وأربعينيات هذا القرن، فترة نشاط هذه الحركة.

ويتتبع الكاتب المسيرة الإبداعية للرموز البارزة للحركة السوريالية المصرية، مع تركيز خاص على دور الشاعر والناقد السوريالي الكبير جورج حنين (1914-1973) – قائد هذه الحركة وأحد الممثلين البارزين للحركة السوريالية العالمية – ودور الرسام والناقد المصري المعروف رمسيس يونان (1913-1966).

وخلال هذا التتبع، تتكشف ملامح رئيسية تميزت بها السوريالية منذ البداية. فالسوريالية – حسب تعبير أندريه بريتون (1896-1966) – هي "حركة آلية نفسية خالصة، يمكن عن طريقها التعبير مشافهة أو كتابة، أو بأي شكل آخر، عن الحركة الفعلية للتفكير. فهي حركة يمليها التفكير، في غياب أي سيطرة يمارسها العقل، بعيدًا عن أي شاغل جمالي أو أخلاقي". (أندريه بريتون، "بيان السوريالية الأول"، 1924).

ويتألف جانب كبير من كتاب "السيريالية في مصر" من نماذج من أعمال السورياليين المصريين – خاصة في مجالات النقد التشكيلي والرسم والشعر. كما يتضمن الكتاب عددًا من الرسائل المتبادلة بين السورياليين تساعد على إلقاء الضوء على نوع الشواغل التي استأثرت باهتمامهم.

وطبيعي أن كتابًا كهذا كان لابد وأن يثير الاهتمام الذي أثاره بين صفوف المثقفين المصريين المهتمين بتاريخ الحركات الفكرية والأدبية والفنية المعاصرة في مصر. فهذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها كتاب مكرس لتاريخ الحركة السوريالية المصرية – وإن كان قد صدر قبل ذلك كتابان على الأقل عن جورج حنين. وهي المرة الأولى التي يجتمع فيها بين دفتي كتاب واحد كل هذا العدد من الوثائق والنصوص السوريالية المصرية التي لم يسبق نشر جانب منها والتي لم يعد الجانب الآخر الذي سبق نشره منها متاحًا لجمهور القراء منذ وقت بعيد. وهي المرة الأولى التي يجري فيها تقديم تاريخ الحركة السوريالية المصرية ووثائقها في مصر الثمانينيات بهدف أن يكون – حسب تعبير مؤلف الكتاب – "طعنًا في الحاضر وشقًّا للمستقبل".

على أن محاولة المؤلف – من حيث أحد افتراضاتها الرئيسية على الأقل – ليست محاولة جديدة تمامًا، فقد عاد الكاتب – مثل آخرين كثيرين سبقوه (د. رؤوف عباس، د. رفعت السعيد، عبد القادر ياسين، إلخ) – إلى الحديث عن "تروتسكية" السورياليين المصريين المزعومة.

مبررات غير ذكية

والحال أن الذين يحاولون إسناد السوريالية إلى التروتسكية يحرثون في البحر.

إنهم يتذكرون عددًا من الأمور التي ليس من شأنها – بحال من الأحوال – أن تقود إلى تأييد مثل هذا الإسناد الذي دأب عليه الكورييليون.

يتذكرون – مثلاً – أن السورياليين والتروتسكيين قد اتخذوا موقف الاستنكار تجاه محاكمات موسكو الشهيرة في أعوام 36 – 37 – 38، تلك المحاكمات التي قادت إلى التخلص من معظم قادة الثورة البُلشفية الرئيسيين: غير أن هذا الموقف لم يكن قاصرًا على السورياليين والتروتسكيين، فقد اتخذه - ساعتها – آخرون كثيرون، خاصة بين صفوف اليسار الثوري، مثل أوتو رول، قائد انتفاضة ساكسونيا في نوفمبر 1918، وفيندلين توماس، قائد تمرد فيلهيلمشافن في نوفمبر 1918، وكارلو تريسكا، الزعيم السينديكالي الثوري الذي سبق له التنديد بمحاكمة ساكو و فانزيتي في الولايات المتحدة الأمريكية، إلخ. كما أن موقف الاستنكار هذا يكاد يكون الآن موقفًا جماعيًّا حيث لا يدافع عن هذه المحاكمات غير أتباع الدكتاتور الألباني الراحل أنور خوجه ومن لف لفهم من مخلفات زمن ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ويتذكرون كذلك أن أندريه بريتون، مؤسس الحركة السوريالية، وليون تروتسكي (1879-1940)، قائد المعارضة اليسارية ضد الستالينية (1923-1933)، ومؤسس الحركة من أجل الأممية الرابعة (1933-1938) ومؤسس الأممية الرابعة (1938) قد كتبا سويًّا في عام 1938 بيان "نحو فن ثوري حر" والذي صدر موقعًا من جانب كل من أندريه بريتون والرسام المكسيكي المعروف دييجو ريبيرا، لكنهم ينسون أن هذا البيان لم يأتِ على ذكر السوريالية، بل اقتصر على الدعوة التي يشير إليها عنوانه وعلى الدعوة إلى إنشاء اتحاد أممي للفن الثوري الحر، علاوة على أن امتناع تروتسكي عن التوقيع على البيان يدل على أنه كان يريد تجنب سوء الفهم ذاته الذي وقع فيه كُتَّاب مثل كُتَّابنا. (بهذه المناسبة، ربما جاز لنا أن نتكهن بأن "جماعة الفن والحرية" التي تكونت في مصر في يناير 1939، بعد أشهر قليلة من صدور البيان المذكور، ربما كانت محاولة مصرية للإسهام في إنشاء ذلك الاتحاد الأممي المقترح، والذي لم ير النور عمليًّا – وإن كان أندريه بريتون قد أنشأ شعبة فرنسية لذلك الاتحاد أصدرت نشرة شهرية، وأصدرت عدداً من البيانات ضد النازية ودفاعًا عن الحريات – أو، على الأقل، ربما كان اختيارها للاسم الذي حملته صدى للدعوة التي أطلقها البيان والتي تضمنها عنوانه).

ويتذكرون كذلك أن أندريه بريتون وجورج حنين وآخرين من السورياليين كانوا يكنون احترامًا عميقًا لشخصية تروتسكي، وأنهم قد أفرطوا في التعبير عن إعجابهم بهذه الشخصية إلى حد أن أندريه بريتون، مثلاً، قد كتب إلى تروتسكي في 9 أغسطس 1938 يقول: "إنني بحاجة إلى عملية طويلة للتكيف حتى أقنع نفسي بأنك لست بعيداً عن منالي" وقد قال له في رسالته هذه أنه يشعر بعقدة كورديليانية (نسبة إلى كورديليا، إبنة الملك لير، في مسرحية شكسبير الشهيرة) تسيطر عليه كلما لقيه وجهًا لوجه.

والحال أن كثيرين قد وقعوا في مثل هذا الإطراء المسرف، والمسرف بالدرجة الأولى في نظر تروتسكي. وقد كتب الأخير إلى بريتون في 31 أغسطس 1938 ليقول له أن مدائحه قد بلغت من الإفراط حدا أصبح يشعر معه بعدم الارتياح! وعلى أية حال، لم يكن المعجبون بشخصية تروتسكي بين الأدباء والفنانين يأتون من بين السوريالين دون غيرهم، فقد كان أندريه مالرو، الروائي الفرنسي الشهير، مثلاً، رغم خلافاته مع تروتسكي، يكن له احترامًا عميقًا. وقد زاره في أغسطس 1933 خلال إقامته في فرنسا. ورغم كل شيء، فقد زعم بريتون – شريك تروتسكي في كتابة بيان 1938 – زعم في عام 1952، بعد تراجع مشاعر الإعجاب والانبهار، أن فهم تروتسكي لمشكلة الفن كان فهمًا متوسط المستوى إلى حد بعيد، وهو رأي لا يتفق معه فيه نقاد جادون كثيرون من طراز بول سايجل وكليف سلوغتر.

السورياليون والتروتسكيون في فرنسا

إن الذين يحاولون – مثل سمير غريب – إسناد السوريالية إلى التروتسكية ينسون تاريخ النزاع المرير بين السورياليين والتروتسكيين في فرنسا، هذا النزاع الذي وصفه إسحق دويتشر بأنه قد وصل إلى حد إمساك كل فريق بخناق الآخر. وهذا النسيان غريب فعلاً، بالنظر إلى أن تاريخ هذا النزاع معروف منذ أواخر العشرينيات، وبالنظر إلى أن أندريه بريتون قد روى جانباً منه منذ 34 سنة في كتابه التأريخي الرئيسي "أحاديث".

والحال أن بيير نافيل، أحد وجوه الحركة السوريالية الفرنسية، قد خرج عليها في عام 1926، ناشرًا كراسه "الثورة والمثقفون" الذي دعا فيه السورياليين إلى الاختيار بين الميتافيزيقا والدياليكتيك، إذ أن هناك تناحرًا بين اتجاهي كل منهما. وقد رد بريتون على كراس نافيل في سبتمبر 1926، مؤكدًا على رفضه التخلي عن الشواغل المحددة للحركة السوريالية وواضعًا إصبعه على الاتهام الرئيسي الذي وجهه نافيل إليها: التذبذب بين الفوضى والماركسية. وقد أنهى نافيل تذبذبه الخاص وانتقل بشكل حاسم إلى مواقع التروتسكية.

وقد ذكر بريتون في "الأحاديث" التي سبقت الإشارة إليها أن بيير نافيل قد بذل كل ما في وسعه، عندما كان واحدًا من قادة الشعبة الفرنسية لحركة الأممية الرابعة بين عامي 1930 و1939، للحيلولة دون حدوث تقارب مع السورياليين (لنتذكر أن أندريه بريتون كان بين عامي 1927 و1933 عضوًا في الحزب الشيوعي الفرنسي، ولنتذكر كذلك أن مشروع بريتون الرامي إلى التوفيق بين السوريالية والماركسية – وهو المشروع الذي كان وراء هذا الانتماء إلى الحزب الشيوعي الفرنسي – كان نتيجة لسوء فهم كما قال الكاتب الوجودي ألبير كامي في كتابه "الإنسان المتمرد"، وقد انتهى إلى الفشل كما قال الفيلسوف الوجودي الشهير جان بول سارتر في "ما الأدب؟"، وكما أدرك ذلك قبلهما بيير نافيل!).

كما أشار بريتون إلى أن نافيل حاول منعه من المشاركة في الاجتماع الذي انعقد في سبتمبر 1936، الذي نظمه التروتسكيون الفرنسيون، تحت عنوان "الحقيقة حول محاكمات موسكو" وأن نافيل لم يتراجع عن هذا الموقف إلاَّ مراعاة لتوسط فيكتور سيرج، الروائي والثوري المعروف، الذي كان قد أفلت لتوه من السجن في روسيا ورحل إلى بلجيكا.

مفهومان للحرية

بينما كان ليون تروتسكي، باعتباره ماركسيًا منسجمًا، يفهم الحرية على أنها "وعي الضرورة"، كانت السوريالية تتبنى مفهومًا فوضويًّا عن الحرية. والواقع أن تصريح إقبال العلايلي (بولا حنين، أرملة جورج حنين) والذي قالت فيه – في معرض نفيها للقصة الغريبة التي أطلقها عبد القادر ياسين وسارع رفعت السعيد إلى تبنيها والتي زعمت أن جورج حنين كان عضوًا فيما سمته القصة بـ "سكرتارية باريس – إحدى انشقاقات الأممية الرابعة" – أن جورج حنين كان أكثر ميلاً للفوضوية، لا يمكن أخذه على أنه صحيح بالنسبة للفترة الأخيرة من حياة جورج حنين فقط. فالواقع أن فكرة "التمرد المطلق" الفوضوية فكرة جوهرية بالنسبة إلى الموقف السوريالي، وقد قال أندريه بريتون في "بيان السوريالية الثاني" (1930) أن "من المعروف أن السوريالية لم تخش من أن تجعل من التمرد التام المطلق، ومن عدم الخضوع التام، ومن التخريب المنهجي عقيدة لها، وأنها لا تنتظر شيئًا إلا من العنف. فالفعل السوريالي الأبسط يتألف من النزول إلى الشارع، بالمسدسات في الأيدي، وإطلاق الرصاص دون تمييز، قدر الإمكان، على الناس"! وواضح أننا هنا أمام عدمية فوضوية، تصل إلى حد تبرير القتل على حد تعبير هنري بيهار وميشيل كاراسو. وقد فسر سارتر التمرد السوريالي بأنه "تمرد ضد الأب"، أما كامي فقد اعتبر العدمية السوريالية "عدمية صالونات أدبية". وقد برر السورياليون عدميتهم ودعوتهم إلى التمرد المطلق بحرصهم على الأخلاق، فالتمرد ليس هدفًا في حد ذاته وقد سبق لبريتون أن قال في عام 1924 أن "الأخلاق هي العزاء الأكبر".

والواقع أن فلسفة بريتون الأخلاقية هي التي جرته إلى نبذ المفهوم الماركسي للحرية. وقد انتقد كراس تروتسكي "أخلاقهم وأخلاقنا" الذي قال أن تروتسكي قد دافع فيه عن مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، وهو المبدأ الذي اعتبره امتدادًا طبيعيًّا لمفهوم إنجلز عن الحرية. وترتيبًا على ذلك، دعا بريتون من وصفهم بالمثقفين الأحرار إلى مواجهة ذلك المبدأ مواجهة تتميز بالرفض الأكثر حسمًا والأكثر فعالية، وقال أن التأكيد الفعال الحقيقي للحرية يكمن في هذا الرفض (لو ليتيرير، 5 أكتوبر 1946).

ومن ناحية أخرى، فإن تروتسكي، في مقال "الفن والثورة" الذي كتبه في عام 1938، قد اعتبر السوريالية شكلاً من أشكال البوهيمية، المفتقرة إلى أساس اجتماعي والمتبنية لمفهوم فوضوي عن الحرية.

موقفان متعارضان خلال الحرب الأهلية الأسبانية

بينما انحاز السورياليون – دون قيد أو شرط – إلى صف الحزب العمالي للتوحيد الماركسي والاتحاد الفوضوي الإيبيري خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) وكانوا – كما قال بريتون نفسه في "الأحاديث" التي سبقت الإشارة إليها – "يترقبون كل يوم فرصتهما في إنجاز ثورة تكون ثالثة الثورات الكبرى في الأزمنة الحديثة وتكون الأولى – من يدري – التي لا تعرف ردة"، نجد أن تروتسكي لم يكف عن انتقاد هذين التنظيمين ولم يترقب أن ينجزا – بسبب نهجهما الذي اعتبره انتهازيًّا – ثورة كهذه.

وفيما يتعلق بالحزب العمالي للتوحيد الماركسي، فقد قال تروتسكي في 24 أغسطس 1937 أن هذا الحزب "لايستطيع أن يقود بروليتاريا كاتالونيا إلى الهجوم الثوري لأن – وفقط لأن – كل سياسته السابقة قد جعلته عاجزًا عن اتخاذ مبادرة كهذه"، كما قال في 22 أكتوبر 1937 أن سياسة هذا الحزب كانت سياسة منشفية لا بُلشفية.

أما فيما يتعلق بالاتحاد الفوضوي الإيبيري، فقد كتب تروتسكي في 4 مارس 1939 يقول أن قادته قد تصرفوا خلال الحرب الأهلية بوصفهم "خدمًا للبورجوازية". وقد تهكم على الفوضوية التي وصفها بأنها معطف واق من المطر لكنه مليء بالثقوب. فهو لا يصلح خاصة عند سقوط المطر!

فما أوسع الهوة بين توقعات بريتون ورفاقه السورياليين، من ناحية، وتوقعات وتشخيصات تروتسكي، من ناحية أخرى!

مصيران

رغم حديث سمير غريب المنبهر عن "نشاط الجماعات السوريالية الجديدة"، فإن من المعروف للجميع – جميع المهتمين بأمر السوريالية – أن السوريالية التاريخية قد اختفت في عام 1969. ومن الأمور التي لها دلالتها أن الجماعة قد حلت نفسها (في أكتوبر 1969) – كما يقول هنري بيهار وميشيل كاراسو – "رغم تجدد ملحوظ للفكر وللفعل الثوريين بعد أحداث مايو 1968" في فرنسا، بعبارة أخرى، لم يكن من شأن المد الثوري في فرنسا – وطن السوريالية الأم – أن يساعد السوريالية على تذليل العثرات التي كانت تواجهها. ويذكر جان شوستر أن حل الجماعة لنفسها قد "قررته ظروف ذاتية غير ملائمة (آثار اختفاء بريتون)".

ومن ناحية أخرى، نجد أن الأممية الرابعة لم تختف من الوجود بسبب اختفاء مؤسسها، بل نجد أنها في العام ذاته الذي حل السورياليون فيه جماعتهم، قد عقدت مؤتمرها العالمي التاسع، وهو أهم مؤتمر لها في مجمل تاريخها حتى الآن، حيث جاء مستفيدًا من التجدد الملحوظ الذي حدث للفكر وللفعل الثوريين بعد أحداث مايو 1968 في فرنسا بالذات. وقد شهدت في عام 1969 اتساعًا ملحوظًا لفعالياتها.

غرائب من كل لون

طبيعي أن الأمثلة التي قدمتها على النزاع بين السورياليين والتروتسكيين ليست بديلاً عن استعراض شامل – ليس هذا المقال مقامه – لتاريخ هذا النزاع. فأنا لم أقصد بما ذكرته فيما سلف غير لفت انتباه مؤرخينا وصحافيينا الذين يكتبون حول هذه الأمور إلى وجوب احترام الحقيقة التاريخية وإلى ضرورة التعامل الجاد مع الموضوع بدلاً من تزوير التاريخ لاعتبارات عملية قصيرة النظر مثلما يفعل تلاميذ المرحوم هنري كورييل ومن يمشون في ركابهم عن علم أو عن جهل، وبدلاً من الركون إلى ذكريات مشوشة تفتقر إلى التحري الصارم للحقيقة التاريخية مثلما فعل الدكتور لويس عوض في الندوة التي نظمها أتلييه القاهرة في 15 نوفمبر 1986 لمناقشة كتاب سمير غريب، فقد زعم الدكتور – مثلاً – أن تروتسكي، قائد سوفييت سان بطرسبرج في ثورة 1905، وقائد سوفييت بتروجراد عشية ثورة أكتوبر، وأحد أبرز قادة الثورة البُلشفية، وباني الجيش الأحمر وقائده إلى الانتصارفي الحرب الأهلية على جيوش الثورة المضادة الداخلية وجيوش 14 دولة، والذي تحدى ستالين أن يطلب تسليمه للاتحاد السوفييتي للمثول أمام القضاء، زعم أن تروتسكي هذا قد "هرب" من الاتحاد السوفييتي. والصحيح أن تروتسكي قد نُفيَ مجبرًا. وقد أُبلغ رسميًّا بقرار النفي الإجباري في 20 يناير 1929، وكتب على إقرار تسلم القرار بخط يده أنه قرار "إجرامي في جوهره وغير شرعي من حيث الشكل".

كما زعم الدكتور أن تروتسكي، الماركسي والقائد الجماهيري، كان مع الفرد، وليس مع المجموع، فما أوسع علم الأستاذ!!

أما سمير غريب نفسه، فهو يتسرع في كتابه إلى حد كسر الركبة والرقبة معًا. فقد زعم أن تروتسكي قد نُفي إلى أستراليا بعد سحق الثورة الروسية الأولى، والحال أن تروتسكي لم يذهب إلى أستراليا قط (كم هي بعيدة عن روسيا!) بل ذهب إلى النمسا حيث أصدر صحيفة "برافدا". ويبدو أن صاحبنا قد قرأ في نص إنجليزي ما أن تروتسكي قد نُفي إلى أوستريا (النمسا) فترجمها (أستراليا)، لتصبح المصيبة مصيبتين!

ومن غرائب سمير غريب أنه قد تعامل مع اسم مارسيل بياجيني على أنه اسم رجل، بينما الحقيقة أن مارسيل بياجيني كانت فتاة (يقال أنها لم تكن جميلة، نعم، غير أننا لم نسمع قط أنها قد أجرت عملية جراحية لكي تتحول إلى رجل!).

وعندما يأتي سمير غريب على ذكر كتاب "أفيون الشعب" يقول أن أنور كامل قد كتبه "عندما كان تروتسكيًّا"! والحال أن أنور كامل يستند في هذا الكتاب إلى كراس ج. مونيس: "الثوريون تجاه روسيا والستالينية العالمية" والذي عبر فيه عن آراء تتعارض على طول الخط مع آراء تروتسكي حول البيروقراطية السوفييتية. فبينما اعتبر تروتسكي هذه البيروقراطية ورمًا خبيثًا على جسم ديكتاتورية البروليتاريا، رأى ج. مونيس – مواصلاً في ذلك خط المثقف اليساري برونو ريزي – أن هذه البيروقراطية تمثل "طبقة حاكمة جديدة"، وهو الرأي نفسه الذي تبناه أنور كامل في كتاب "أفيون الشعب". والحال أن بيير فرانك، أحد قادة الأممية الرابعة، قد فند كراس ج. مونيس غداة صدوره مدافعًا عن تشخيص تروتسكي الأصلي للبيروقراطية السوفييتية الذي كان قد عرضه في كتاب "الثورة المغدورة".

ومن غرائب سمير غريب كذلك (حقًّا ما أكثر غرائبه؟!) أنه يقول أن "ع. سعيد" اسم رمزي في حين أن "ع. سعيد" هذا هو عبد المغني سعيد، أحد الذين كتبوا في الأعداد الأولى لمجلة "التطور"، ولو كان سمير غريب قد قرأ مذكرات عبد المغني سعيد السياسية، التي صدرت قبل كتابه بنحو سنة، لأدرك ذلك، ولكن ماذا نفعل مع التسرع والكسل؟! ولم يكن عبد المغني سعيد سورياليًّا ولا تروتسكيًّا، بل كان واحدًا من الملتفين حول محمود حسني العرابي بعد عودة الأخير من ألمانيا، وكانت مجموعة العرابي وسعيد هي المجموعة التي عقدت صلات مع عبد اللطيف البغدادي وغيره من الضباط الشبان.

ولا يلاحظ سمير غريب وهو يذكر أن جورج حنين قد فوجئ بنشوب الحرب العالمية الثانية أن هذا يعد دليلاً على أن الكاتب والناقد السوريالي الكبير لم يكن متابعًا جيدًا لكتابات تروتسكي في الثلاثينيات حول المضاعفات المحتملة لوصول هتلر إلى الحكم في ألمانيا في عام 1933. والواقع أن تروتسكي قد ذكر في نوفمبر 1931، قبل نحو سنتين من وصول هتلر إلى الحكم وقبل عشر سنوات من معركة موسكو، أن "انتصار الفاشية في ألمانيا سوف يعني حتمية الحرب ضد الاتحاد السوفييتي". ولم تفاجئ الحرب العالمية الثانية تروتسكي ولا أنصاره بل إنهم قد حددوا مهماتهم نحو هذه الحرب عشية نشوبها في الوثيقة التأسيسية للأممية الرابعة والتي وافقوا عليها في مؤتمرهم المنعقد في سبتمبر 1938، فهل هناك دليل أبلغ من هذا على أن جورج حنين، الذي فوجئ بنشوب الحرب العالمية الثانية، لم يكن تروتسكيًّا؟!

وبهذه المناسبة، يجب الإشارة إلى أنه بينما اختار بريتون ترك فرنسا – بعد أن سقطت في أيدي الهتلريين – ليرحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فإن التروتسكيين الفرنسيين لم يرحلوا، وقد مات زعيمهم مارسيل هيك في معتقل دورا، بعد أن وقع في أيدي الجستابو في عام 1943.

لقد بات من حقنا أن نتساءل: متى سيكف مؤرخونا وصحفيونا عن خزعبلاتهم؟ متى سيحترمون عقولهم وعقولنا؟ أم أنهم عازمون على موصلة تخبطهم الذي ليس من شأنه إلا أن يجعل أي محاولة جادة لفهم تاريخ الحركات الفكرية والأدبية والفنية في مصر المعاصرة من قبيل المستحيلات؟

مجلة "القاهرة" ، القاهرة، يونيو 1987.

حوار حول كتاب "مسألة فلسطين" لهنري لورنس

هنري لورنس

(الاشتراكي ) القاهرية

15 مارس 2009

يصدر هذا الشهر ضمن إطار المشروع القومي للترجمة الجزء السادس من كتاب هنري لورنس المعنون بـ "مسألة فلسطين" مترجما إلي العربية، وبهذه المناسبة أجرت الاشتراكي المقابلة التالية مع بشير السباعي مترجم هذا الكتاب.

بدايةً، من هو هنرى لورنس؟

هو مؤرخ فرنسي متخصص في التاريخ الحديث والمعاصر للعالم العربي، وصاحب عديد من المؤلفات التي ركزت علي مختلف أشكال اندماج المنطقة العربية في العالم الحديث، الذي هيمنت عليه الرأسمالية الغربية.

عمل هنري لورنس أستاذاُ للتاريخ بجامعة السوربون، ثم بالمعهد القومي للغات والحضارات الشرقية بباريس، وتولى بعد ذلك إدارة مركز دراسات وبحوث الشرق الأوسط المعاصر ببيروت، وكان إلي وقت غير بعيد مشرفا بالمعهد القومي للبحث العلمي بباريس، وهو الآن أستاذ كرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي بالكوليج دو فرانس، وهو الموقع الذي سبق أن شغله باحثون فرنسيون مرموقون ، أهمهم جاك بيرك. وهو متزوج من الكاتبة اللبنانية الفرنسية السيدة مها بعقليني، التي سبق لها أن ترجمت إلي الفرنسية عمل نجيب محفوظ “ ليالي ألف ليلة”.

ما هو منهج لورنس في الكتابة التاريخية ؟

من المعروف أن جنس الكتابة التاريخية على اختلاف مناهجها هو المروية أو السردية الواقعية التي تتعامل مع الظواهر التاريخية من زاوية تطورها الزماني الخطي، وهذا التعريف ينطبق على عمل جميع مدارس الكتابة التاريخية ، وطبيعي أنه ينطبق على المدرسة التي ينتمي إليها لورنس، والتي تتبع منهج الوصف التوثيقي، الذي يشكل المدخل الذي لا غنى عنه لأي جهد تحليلي أو تنظيري تال، ويجمع الرجل في أعماله بين الوصف التوثيقي والتحليل، وغالبا ما يكون التحليل مضمراً وماثلاً في بنية الوصف التوثيقي الذي يقوم به، فتلك البنية بطبيعة الحال تستند إلى رؤية ما و منطق ما، كامن في المجهود الوصفي. وفي جميع الأحوال فإن الإشكالية العامة التي تؤرق لورنس تظل ماثلة في معظم كتاباته.

وما هي هذه الإشكالية العامة ؟

الرجل مهموم بمحاولة فهم السبب أو الأسباب الكامنة وراء تحول الغرب الرأسمالي إلى التنكر لمبادئ التنوير وحقوق الإنسان والشعوب في تعامله مع العالم العربي، وهو ما يظهر بوضوح منذ كتاباته المبكرة، فالمسئول عن هذا التحول، من وجهة نظر لورنس، هو المصالح الأنانية للبورجوازيات الغربية، وهي مصالح تكمن وراء الانحطاط التيرميدوري ثم البونابرتي للثورة الفرنسية، والحملة الفرنسية علي مصر لحظة مهمة فيها، وهو ما أوضحه لورنس منذ عام 1989 في كتابه عن هذه الحملة، والذي صدر بالفرنسية بمناسبة الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية، وإن كان قد كتب في الأصل كأطروحة لنيل دكتوراه الدولة. وقد ترجمنا هذا الكتاب في عام 1995 إلى العربية، وقد فاز عمل لورنس هذا بإعجاب وتقدير مؤرخين مهمين كأندريه ريمون وبيتر جران.

كيف تظهر رؤية لورنس هذه في عمله الأخير حول مسألة فلسطين ؟

في هذا العمل نجد أنفسنا أمام مروية بانورامية، تتناول إشكالية دخول الإمبرياليات الغربية في الصراع علي المنطقة العربية ذات الأهمية الجيوسياسية والجيوستراتيجية في إطار صراع هذه الإمبرياليات علي السيطرة علي العالم. وطبيعي أن هذه المروية تشتمل، بشكل لا مفر منه، علي تناول أشكال استجابة العالم العربي للحداثة الأوروبية، وردود أفعاله علي التوسع الاستعماري، وهو ما يقود لا محالة إلى تناول ظهور الحركات والتيارات القومية في هذا العالم العربي، الذي يحتل ضفافا ً مهمة للبحر المتوسط، وطرق مواصلات بحرية وبرية مهمة، ناهيك عما يتمتع به من ثروات بترولية أساساً، وحضارات مكانية مترامية الأطراف.

وإذا كان يجري تناول مصائر المسألة اليهودية في أوربا الشرقية والغربية وملابسات ظهور الحركة الصهيونية، فإن هذا التناول إنما يتم ضمن إطار تحليل تناقضات الدول العظمى الداخلية وصراعاتها من أجل الهيمنة الخارجية. ومن هذه الزاوية، يعد عمل لورنس كاشفاً لتناقضات عصرنا وأزمته الخطيرة، فهذا العمل ليس وصفا توثيقيا لتاريخ فلسطين الحديث، بل هو وصف توثيقي لـ “ مسألة فلسطين “ وهي مسألة مطروحة منذ فجر القرن التاسع عشر ولا تزال مطروحة إلي يومنا هذا، كما أنها لا تخص فلسطين وحدها بل تتجاوز حدودها إلى عالم أوسع منها، وهو ما يشهد عليه، مثلاً، أن هذه المسألة أصبحت “مسألة مصرية “ علي جانب كبير من الأهمية منذ حرب عام 1948 وأنها قد صاغت إلى حد بعيد تاريخ مصر في الشطر الثاني من القرن الماضي ولا تزال محورية في صياغة هذا التاريخ إلى الآن.

ما هو الإطار الزمني لمعالجة لورنس لـ “ مسألة فلسطين “ ؟

تبدأ هذه المعالجة من حملة بونابرت علي بلاد الشام في عام 1799 إلي اللحظة الحاضرة. وقد وصل لورنس بهذه المعالجة فيما صدر من مجلدات العمل إلى الرابع من يونيو / حزيران 1967 وهو عاكف حاليا علي كتابة مجلد جديد يتناول الفترة الممتدة من حرب يونيو / حزيران 1967 إلى عام 1982 ، عام الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ومن المرجح أن يصدر هذا المجلد الجديد بالفرنسية في أواخر عام 2010

بِمَ يتميز كتاب مسألة فلسطين عن غيره من الكتابات التي تناولت الموضوع نفسه ؟

بلا شك نحن إزاء تسجيل توثيقي دقيق لمختلف مراحل تطور الصراع على فلسطين منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى الآن ، ومثل هذا التسجيل التوثيقي لا نجده في أي عمل آخر بأي لغة. وقد اعتمد لورنس على وفرة من الوثائق التي لم يسبق الاعتماد عليها، كما أن الرجل قد قام بتركيب نقدي لمعظم الأدبيات الصادرة حول الموضوع، وهو مجهود لم يسبقه إليه أحد من المؤرخين من قبل.


هل يمكن اعتبار لورنس مستشرقا يعمل لخدمة أهداف عملية ؟

ما يحرك عمل لورنس هو “حب المعرفة “، وهو ما يفسر دأب الرجل علي محاولة تكوين صورة موضوعية عما حدث بالفعل، ويفعل الرجل ذلك ضمن إطار تمسكه بمبادئ حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، وهي مبادئ يعترف لورنس بأن الغرب الإمبريالي قد خانها في تعامله مع “ المسألة اليهودية “ في الغرب، كما في تعامله مع “ مسألة فلسطين “ في الشرق، ثم إن الرجل يسلط الضوء على دور مختلف الدول العظمى، وبينها فرنسا ، في دعم المشروع الصهيوني. وإذا كان هناك من هدف عملي وراء كتابه الضخم ، فلا شك أنه يتمثل في المساعدة على إيجاد حل عادل لمسألة فلسطين وهو حل يبدو في رأيه بعيد المنال ، بالنظر إلي موازين القوى في العالم.

استيهامات_26

4 يوليو 2011

زمن الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، وخوفاً من أن يفتك مرض الزهري بجسد الجيش الفرنسي – في بلدٍ موبوءٍ بالطاعون الأسود، علاوةً على ذلك – قام الفرنسيون بإلقاء القبض على القحاب المصريات وإغراقهن في نهر النيل.

الثورةُ المضادةُ القحبة لا تستحق معاملةً أفضل!

عافيةُ الشعبِ أهمُّ من حياة القحبة!

حول ما يسمى بالتروتسكية المصرية بين عامي 1938 و1948


(6)

بشير السباعي

1987

أما لطف الله سليمان (ولد عام 1918) فقد اشترك مع أنور كامل في عام 1947 في تحرير كراس صدر في مايو 1947 تحت عنوان "اخرجوا من السودان". وقد دعا هذا الكراس إلى جلاء البريطانيين دون قيد أو شرط عن مصر والسودان وإلى اعتراف مصر بحق الشعب السوداني في تقرير مصيره بنفسه (انظر، أنور كامل، لطف الله سليمان: اخرجوا من السودان، مطبوعات الدهماء، القاهرة، مايو 1947، ص 3).

وقد سبقت الإشارة إلى أن لطف الله سليمان لم يكن عضواً في جماعة "الخبز والحرية" وهو، علاوة على ذلك، لم يكن عضواً في جماعة "الفن والحرية" إلا أنه قد آزر كلاً من الجماعتين.

وقد أسس لطف الله سليمان حوالي عام 1942 (بالاشتراك، على ما يبدو، مع جورج حنين) داراً للنشر جعلت مهمتها نشر الأدبيات الثورية. و عندما تولى رمسيس يونان (1913-1966) (لا تختلف سيرة رمسيس يونان الفكرية – السياسية كثيراً عن سيرة جورج حنين) رئاسة تحرير مجلة "المجلة الجديدة" اعتباراً من أبريل 1943، كان لطف الله سليمان مديراً لتحرير المجلة. وقد انحازت المجلة إلى صف الاتحاد السوفييتي دون قيد أو ششرط في الحرب ضد ألمانيا الهتلرية وأقامت صلات مع مجلات وصحف الجماعات الستالينية في لبنان والعراق وأيدت حزب الوفد (هذا الموقف الأخير بالذات يشهد على أنها لم تكن مجلة تروتسكية), وكان من كتابها رمسيس يونان، وجورج حنين، وأنور كامل (لم ينشر الأخير فيها غير مقال واحد، تحت الاسم المستعار "نسيب الحديدي"). وقد تحولت إلى مجلة مناهضة للستالينية بعد تصريح لورد فانيستارت، وعندئذ قطعت مجلات وصحف الجماعات الستالينية في لبنان والعراق صلاتها بها. ثم عطلت المجلة بموجب أمر عسكري اعتباراً من العدد 444.

وقد التف عدد من السورياليين والمثقفين اليساريين المصريين – المستقلين عن التيار الستاليني – حول لطف الله سليمان منذ عام 1945، وكان سليمان قد طرح فكرة إنشاء "حزب شيوعي ثوري" دون أن تتحول الفكرة إلى واقع تنظيمي في أي وقت من الأوقات.

وقد كتب لطف الله سليمان (بالفرنسية) منشوراً محدود التوزيع يدعو إلى تكوين حزب كهذا تحت عنوان: "نحو حزب شيوعي ثوري". واتهم سليمان كلاً من محمد مندور وأنور كامل في هذا المخطوط بـ "الانتهازية" لتعاونهما مع صحيفة "الوفد المصري". وكان أنور كامل قد رتب لقاء بين مصطفى موسى وأمين الكاشف (من شبيبة اليسار الوفدي) وجورج حنين ولطف الله سليمان لتدارس إمكانيات العمل المشترك. ويذكر أنور كامل في حديثه مع س. بوتمان أن جورج حنين لم يبد اهتماماً بالموضوع بعد المناقشة وأن لطف الله سليمان اتخذ موقفاً أكثر تشدداً ضد العمل المشترك مع شبيبة اليسار الوفدي. وقد ضبط مخطوط لطف الله سليمان مع أنور كامل خلال حملة صدقي في يوليو 1946. وكان لطف الله سليمان آخر مناضل يخرج من السجن.

والحال أن س. بوتمان قد ذكرت في عام 1980 أن لطف الله سليمان قال إن حركة تروتسكية حقيقية قد بدأت في عام 1945، ذات هياكل تنظيمية حقيقية. وقد نفى ذلك أنور كامل (الذي أيد دعوة لطف الله سليمان إلى إنشاء حزب شيوعي ثوري والذي اعتبر الانتقاد الذي وجهه سليمان إليه نوعاً من "الانتقاد الذاتي" والذي اشترك مع سليمان في عام 1947 في تحرير كراس "اخرجوا من السودان" (انظر، A. Kamel, Op, Cit.). وعلاوة على ذلك فقد عاد لطف الله سليمان في عام 1984 ليعلن أن المجموعة التي التفت حوله كانت "من دون بنىً تنظيمية حقيقية" (جيل بيرو: مصدر سبق ذكره، ص 283).

ويبدو أن محاولة لطف الله سليمان كان لا مفر لها من أن تفشل. فهو قد أراد بناء "حزب شيوعي ثوري" من خلال التعاون مع جورج حنين ورمسيس يونان (السوريالييْن المياليْن إلى الفوضوية) وأنور كامل (الماركسي المستقل المستعد للتعاون مع صحف الوفد). ويدل ذلك، وحده، على أن سليمان لم يكن يملك رؤية تروتسكية حقيقية فيما يتعلق بأبسط مقدمات بناء "حزب شيوعي ثوري".

على أن مما يذكر لهذا الفصيل – على اختلاف عناصره – أنه قد طرح شعارات ثورية فيما يتعلق بضرورة استناد الحركة القومية التحررية إلى قوة الطبقة العاملة وصهر النضالات القومية – التحررية الثورية في نضال الطبقة العاملة الطبقي وأنه قد شجب قرار التقسيم ودعا إلى حرب تحريرية ضد الدولة الصهيونية.

والحال أن موقف الحركة الستالينية من المسألة الفلسطينية خلال 1947 – 1948 قد أدى إلى تهميش عام لمجمل قوى اليسار في الشرق العربي، الأمر الذي مهد السبيل أمام الديماجوجية القومية البورجوازية الصغيرة. وقد استمر هذا الوضع حتى حرب يونيو 1967.

استنتاجات:

تكشف الدراسة التاريخية الموضوعية عن عدد من الحقائق:

1- إن تجمع الفن والحرية الذي كان قائده، جورج حنين، وأغلب المنتمين إليه والمؤازرين له، مناهضين للستالينية، هو أول تجمع واسه للمثقفين اليساريين المصريين في هذا القرن.

2- إن هذا التجمع يرمز إلى ظاهرة ذات مغزى تاريخي: ظاهرة حلول المثقف الثوري محل المثقف الليبرالي.

3- إن التيار المناهض للستالينية تيار أساسي من تيارات الحركة اليسارية المصرية بين عامي 1938 – 1948.

4- إن وجود هذا التيار طوال تلك الفترة دليل على فشل الستالينية في فرض هيمنتها المطلقة على توجهات الإنتلجنتسيا اليسارية المصرية.

5- إن هذا التيار، خلافاً للتيار الستاليني المتحجر، كان منتفتحاً على مختلف تيارات الفكر الثوري.

6- إن هذا التيار كان التيار الوحيد – داخل الحركة اليسارية المصرية – الذي دعا إلى الثورة الاشتراكية سبيلاً إلى القضاء على تخلف المجتمع المصري.

7- إن المؤرخين الستالينيين وزملاءهم القوميين قد زوروا تاريخ التيار المناهض للستالينية لاعتبارات تتصل بالماضي وبالحاضر على حد سواء.

8- إن تاريخ هذا التيار لا يزال بحاجة إلى دراسة موضوعية مستفيضة، تستند إلى فهم عميق لمختلف المنطلقات التي شكلت ملامح هذا التيار. أما الاكتفاء بالحديث عن "تروتسكية" هذا التيار المزعومة فليس من شأنه أن يساعدنا كثيراً – كما رأينا – خاصة وأن كل من استخدموا هذا المصطلح من المؤرخين لم يوضحوا ما الذي يقصدونه به.

___________

تذييل (2 يوليو 2011): يجد القارئ تدقيقاً لهذا الجزء الأخير في المقال المنشور على هذه المدونة عن لطف الله سليمان، في باب المقالات والمداخلات:

http://mabda-alamal.blogspot.com/2010/06/blog-post.html

وللإطلاع على الخلاف العميق بين لطف الله سليمان وجورج حنين، أحيل القارئ إلى رسالة لطف الله سليمان إلى بولا حنين والتي سبق نشر ترجمة عربية لها على هذه المدونة، في باب الترجمات:

http://mabda-alamal.blogspot.com/2010/03/blog-post.html