جورج حنين وإيرريكو مالاتيستا

بشير السباعي


ايرريكو مالاتيستا

عندما نقلب رسائل جورج حنين (1914-1973) إلى الروائي الواقعي الفرنسي هنري كاليه (مات عام 1956) بين عامي 1935 و 1956، تلك الرسائل التي تكشف عن جوانب مهمة من رؤى وشواغل الشاعر السوريالي المصري الكبير، لن نجد إشارة واحدة إلى إيرريكو مالاتيستا (1853-1932)، الفوضوي الإيطالي البارز، رغم أننا سوف نجد دلائل على تأثير الأخير على الأول.

ومن ناحية أخرى فإننا لن نجد يبن كتابات معاصري جورج حنين التي نشرت إثر موته وكرست لإحياء ذكراه غير إشارة واحدة للدكتور مجدي وهبة إلى حوار دار في أحد الأيام عام 1942 في مقر مجلة "المجلة الجديدة" القاهرية بين المنور التطوري المصري سلامة موسى (1888-1958) وجورج حنين تكشف – بشكل عابر – عن وقوف شاعرنا على عمل مالاتيستا، فقد أشار الدكتور مجدي وهبة إلى أن جورج حنين قد تحدث أثناء الحوار عن "خيانة الدور الثوري للاتحاد السوفيتي. واستشهد بمالاتيستا". وربما جاز لنا أن نتكهن بأن جورج حنين قد استشهد بالمقدمة التي كتبها مالاتيستا في عام 1922 لكتاب تلميذه "لويجي فابري": "روسيا: الدكتاتورية والثورة". ومن المعروف أن جورج كان يجيد الإيطالية.

وإلى أن يتسنى نشر أعمال ورسائل جورج حنين الكاملة، خاصة رسائله إلى أصدقائه الفوضويين، وفي مقدمتهم الرسام الإيطالي المعادي للفاشية أنجيلو دي ريز، والذي أهدى إليه جورج حنين إحدى قصائده الأولى، سوف يكون من الصعب تقدير الأبعاد الكاملة لتأثير مالاتيستا على رؤى ومواقف شاعرنا.

ورغم ذلك، فإن هناك من المبررات ما يسمح بمحاولة رسم ولو صورة أولية لوجوه الشبه في الرؤى والمواقف بين الشخصيتين البارزتين.

متمردان على الأرستقراطية:

ينحدر كل من إيرريكو مالاتيستا وجورج حنين من أصول أرستقراطية ذات ارتباطات قوية بالملكية الكبيرة للأرض الزراعية وذات مكانة متميزة ضمن الهرم البيروقراطي للدولة.

فالأول ينحدر من عائلة كانت تتسلط – قبل الريسورجيمنتو– على إحدى المقاطعات الإيطالية، سواء أكان ذلك من الناحية الاجتماعية - الاقتصادية أم من الناحية السياسية. وقد واصلت التمتع بنفوذ هام خلال الريسورجيمنتو وبعده.
والأخير هو ابن صادق حنين باشا، أحد رموز البيروقراطية المصرية العليا في العهد الملكي، وقد كان سفيراً للقاهرة لدى مدريد بين عامي 1924-1926، وليس هناك ما يدعو للشك في أنه كان يتمتع بثقة الملك فؤاد الأول (والأخير!) الذي كان يملك وحده حق تعيين السفراء!
ومثلما حدث كثيراً في التاريخ، خاصة التاريخ الحديث، فإن أيرريكو وجورج قد تمرد كل منهما على الأرستقراطية التي ينحدر منها. وقد بدأ هذا التمرد، في حالة كل منهما، بالتمرد على أخلاق التسامح مع الوضع القائم، والتي تلقاها الأول على يد "الإيسكولابيس" والأخير على يد مدرسيه في "مدرسة العائلة المقدسة".

أما الأول فقد عبر عن هذا التمرد بينما كان لا يزال في الرابعة عشرة من العمر، حيث كتب إلى الملك فيكتور عمانوئيل الثاني رسالة كلها إهانات وتهديدات، ثم دفع ثمن هذه الجرأة بدخول السجن. وصار بذلك أصغر سجين سياسي في إيطاليا آنذاك (1867)!.
وأما الأخير فقد عبر عن تمرده من خلال التهكم، في مجلة علنية، على "الشرعية" التي وصفها – ابن الحادية والعشرين – بأنها "كمامة لأفواه الشعوب". وفي العام نفسه الذي نشر فيه هذا الكلام (1935)، نشر - بالاشتراك مع صديقه جوزيف حبشي، الذي آثر إخفاء اسمه الحقيقي واستخدام اسم "جو فارنا" المستعار – كراساً تحت عنوان (التذكير بالقذارة أو فرض القذارة Rappel à L'ordure وهو عنوان يهزأ من تعبير Rappel à L'ordre التذكير بالنظام أو فرض النظام)!

وطبيعي أن من غير الوارد – في حدود هذا المقال – استعراض مسلسل تمرد مالاتيستا وحنين على الوضع القائم وأخلاق الوضع القائم. ويكفي أن أشير إلى أن كلاً من الرجلين قد واصل تمرده حتى النفس الأخير. وعندما مات مالاتيستا في 22/7/1932، اتخذ الفاشيون كل التدابير لمنع حدوث مسيرات جنائزية، ثم تناوب رجال البوليس محاصرة قبره بعد أن ووري التراب لمنع الناس من الاقتراب ووضع باقات الزهور! وكان مالاتيستا الشيخ قد كتب إلى صديقه أرماندو بورجي في 7/3/1932 – قبل نحو أربعة شهور من موته – يشكو من اعتلال صحته ويعبر في الوقت نفسه عن أمله في استعادة حيويته مع قدوم الربيع، حتى يتمكن من مواصلة النضال من أجل قضية التحرر. أما جورج حنين فقد شارك في انتفاضة مايو 1968 في باريس وكتب – ساعتها – يقول: "العصيان شفقٌ قطبيٌّ شمالي، لن يقوى أحد بعد الآن على أن يجعل منه غسقاً!"، وعندما وافته المنية في الساعات الأولى من 18/7/73، طلب إلى من كانوا إلى جواره في المنفى الباريسي أن يدفن وحيداً في بلاده، بعيداً عن جبانات مختلف الملل والنحل!

داعيتان للكوزموبوليتية الثورية:

من المعروف أن أرستقراطيات المجتمعات قبل الرأسمالية وأرستقراطيات المجتمعات التي وصلت إلى الرأسمالية متأخرة، رغم ما تتميز به تلك الأرستقراطيات من ضيق أفق محلي، قد طورت – على المستوى العملي – نزعة كوزموبوليتية خاصة بها يبدو أنها لم تدرس حتى الآن دراسة كافية.

ولعل من ملامح هذه الكوزموبوليتية هو تلك الزيجات التي كانت تعقد بين أبناء وبنات مختلف البيوتات الأرستقراطية المنتمية إلى أجناس وشعوب متباينة، واعتماد أرستقراطيات معينة أساليب حياة أرستقراطيات أخرى، أجنبية.

ومن الواضح أن كوزموبوليتية هذه الأوساط الأرستقراطية ليست لها علاقة بعملية التدويل التي مست مختلف وجوه حياة البشر مع نشوء وتعزز السوق الرأسمالية العالمية، فهي كوزموبوليتية محصورة الأبعاد، كانت تخص جماعة اجتماعية كان التطور الرأسمالي ينذر بزوالها. وبدلاً من هذه الكوزموبوليتية، كان إيرريكو مالاتيستا وجورج حنين داعيتين لكوزموبوليتية جديدة، ثورية.

لقد حارب مالاتيستا ووقف – على جبهات عديدة امتدت إلى أمريكا اللاتينية – ضد اضطهاد الإنسان للإنسان. وقد يدهش القارئ – ولابد له من أن يدهش– إذا عرف أن مالاتيستا الشاب قد جاء إلى مصر في عام 1878 لكي يساند وقوف المصريين ضد التسلط الأوروبي وأنه قد طرد من مصر في ذلك العام نفسه بأمر من القنصل الإيطالي، وأنه برغم تجربة الطرد هذه قد غادر لندن في عام 1882 متجهاً إلى مصر، مرة أخرى، لكي يساند تمرد المصريين ضد التسلط الأوروبي!.

أما جورج حنين، من ناحية أخرى، فقد دشن في القاهرة فور نشوب الحرب الأهلية الأسبانية (1936) حملة واسعة لمساندة الجمهوريين الأسبان ضد التمرد الفاشي، وانخرط في نشاط المنفيين الإيطاليين المعادين للفاشية، بعد أن وطد الصلات معهم من خلال أنجيلو دي ريز.

لقد كان مالاتيستا وحنين عدوين لدودين للشوفينية القومية. ومنذ عام 1892، كتب مالاتيستا يقول: "ليس هناك ما يجمع بيننا وبين الوطني الإيطالي الذي يقول: لا يهم أن يموت كل الإيطاليين من الجوع، مادامت إيطاليا سوف تصبح عظيمة ومجيدة". أما جورج حنين فقد أعرب غير مرة عن تقززه من المتاجرين بالنزعة القومية في مصر، وكان قد سخر، قبل ذلك، من العنصرية الفاشية ومن الهوس العنصري الذي كان يدفع المرضى الألمان واليهود إلى التشاجر في المستشفيات! وأدان نزعة الجامعة السلافية التي عمل ستالين (1879-1953) على بعثها خلال الحرب مع ألمانيا (1941-1945)، واستنكر، بشكل خاص، حديث ستالين أمام جنود الجيش الأحمر في 7 نوفمبر 1941 – الذكرى الرابعة والعشرين لثورة أكتوبر – عن "أمجاد" الأسلاف الروس وفي مقدمتهم الأمير ألكسندر نيفسكي، الذي كان قد تمكن في عام 1942 من إلحاق الهزيمة بفرسان الأخوية التيوتونية، وتساءل: ماذا عن بوجاتشوف وستينكا رازين المدافعين الأسطوريين عن القضية الفلاحية"؟ وقال: "بدلاً من الإشادة بالأبطال الشعبيين الروس والألمان الذين تلاقوا عبر التاريخ في نضالات تحريرية واحدة، نجد ان أجهزة الدعاية السوفيتية سرعان ما تجد لذة في هوس شنيع لا تنبثق منه غير رموز من أسوأ الرموز في تاريخ روسيا".

كما أدان جورج حنين عنصرية الجنرالات الأمريكيين الذين كانوا يتحدثون عن الشعب الياباني خلال الحرب العالمية الثانية بوصفه "جراداً أصفر" وأشاد بالجندي الألماني الذي لجأ – فور نشوب الحرب الألمانية – السوفيتية – إلى موقع سوفيتي، معلناً أنه لا يريد حمل السلاح ضد دولة بروليتارية. وقال جورج حنين: "إن هذه العبارة وحدها قد دوت، أمام التاريخ، دوياً أقوى من دوي مآثر العتاد الحربي التي سبقتها أو التي تلتها. فقد دلت، فوق قصف المعارك، على أن إخاء الكادحين يعلو ويجب أن يعلو على انقسام الناس إلى جماعات عرقية وقومية".

الحلم بالوطن:

لم ير مالاتيستا وحنين أي تناقض بين النزعة الأممية الثورية والشوق إلى أن يكون وطن الإنسان حراً، سعيداً، وإلى أن يتمكن أبناؤه من المساهمة في تحرر الجنس البشري من كل أشكال الاستلاب.

إن كلاً من مالاتيستا وحنين قد قضى زمناً في المنفى، وعندما كان مالاتيستا يتسلل عبر المجر لكي يشارك في انتفاضة الهرسك ضد الأتراك في عام 1875، وعندما كان يوزع الحلوى على الأطفال في شوارع لندن في عام 1880، وعندما كان ينظم فروع المقاومة العمالية في الأرجنتين في عام 1885، كان يحلم ببلاده، باليوم الذي تنتزع فيه حريتها من أعدائها الداخليين.

وعندما كان جورج حنين يهيم على وجهه في شوارع أثينا، وروما، وباريس، كان يتذكر بلاده التي نسيته، وكان لا يزال بوسعه أن يقول لها:

فيك
أكون في النهاية
تحت رحمة نفسي!.




مجلة "الكتابة الأخرى" ، القاهرة، ديسمبر 1992

قدر استطاعتك

قسطنطين كافافي

حتى وإن كنت لا تستطيع صوغ حياتك بالشكل الذي تريد
حاول، على الأقل، قدر استطاعتك
ألاَّ تحط من شأنها
بالانغماس أكثر من اللازم في العالم
بالنشاط والكلام أكثر من اللازم

لا تحط من شأنها بجرجرتها
والتسكع بها والإفراط في تعريضها
لسخف العلاقات الاجتماعية والحفلات اليومي
إلى أن تصبح كما لو كانت عبئاً مملاً لا لزوم له.


ترجمة بشير السباعي
عن ترجمة إدموند كيلي وفيليب شيرارد الإنجليزية

"لابد أن نموت لأننا عرفناهن"

راينر ماريا ريلكه


[لابد أن نموت لأننا عرفناهن]
(بردية بريسه. من أقوال بتاح – حُتب، مخطوط من نحو عام 2000 قبل الميلاد)



"لابد أن نموت لأننا عرفناهن"
نموت من زهرة ابتسامتهن
التي لا يمكن التعبير عنها.
نموت من أيديهن الرقيقة.
نموت من النساء.

فليُغَنِّ الشابُّ لهن،
وليمتدح حاملاتِ الموتِ هذه،
عندما يتحركن في فضاء قلبه،
ويُحَلِّقنَ فوق رأسه.
فَليُغَنِّ لهن من قلبه الذي يتفتح لأول مرة:
كم هُنَّ بعيدات المنال!
آه، كم هن بعيدات.
على قمم شعوره يطفون
وينهمرن ليلاً جميل التسامي
في وادي ذراعيه المهجور.
تهزم ريحُ تحليقهن في أغصان جسمه.
وتندفع غدرانه متلألئة في المدى.

لكن الكهل يرتجفُ ويصمتُ.
الرجلُ الذي هام على وجهه ليلاً
بلا طريق
في سلسلة جبال مشاعره:
يصمتُ.

مثلما يصمتُ البَحَّارُ العجوز،
والأهوالُ التي كابدها
تُدَمدِمُ في روحهِ
كما لو كانت في أقفاص مرتعشة.
باريس، يوليو 1914


ترجمة بشير السباعي
عن ترجمة س. ميتشل الإنجليزية

إيحاء غريب


بشير السباعي



يكرس أدونيس بحثه عن "الصوفية والسوريالية" للمقارنة بين التجربة الصوفية والتجربة السوريالية كتجربتين في النظر والكتابة، وهو يجد مشروعية هذه المقارنة في كون التجربة الصوفية تصل الإنسان بذاته العميقة وبما يتجاوز الواقع الذي يحجبه عن هذه الذات وفي كون السوريالية تخلص الإنسان من اغترابه، أو من غيابه، في هذا الواقع. ويوضح أدونيس كيف يتم ذلك بالنسبة للتجربتين على المستوى الفلسفي والإبداعي، بما يؤكد أن الصوفية شكل من أشكال السوريالية الخالدة يمكن مقارنته بالسوريالية التاريخية.


وما يثير الدهشة في بحث أدونيس ليس هو عقد مثل هذه المقارنة ولا التوضيح الذي يقدمه لمشروعيتها بل هو تلك الفقرة الاستهلالية التي يقول فيها:
"الصوفية والسوريالية: عنوان قد يثير استنكاراً، أو على الأقل اعتراضاً، لا من الأشخاص الذين يعنون بالسوريالية، وحدهم، وإنما أيضاً من أولئك الذين يعنون بالصوفية. وسواء كانت هذه العناية، في الجانبين، سلبية أو إيجابية، فإن الجمع بين هذين الاتجاهين قد يكون موضع استغراب".


والحال أن هذا الكلام لا يرمي إلا إلى شيء واحد: الإيحاء بأن القارئ لابد له من أن يتعامل مع البحث الأدونيسي باعتباره كشفاً رائداً لعلاقة كانت، حتى ذلك الحين، مجهولة!


لكن رصد العلاقة بين الصوفية والسوريالية ليس من الأمور التي تستحق جهداً كبيراً. وفد أشير إلى هذه العلاقة من جانب نقاد عديدين.
وهكذا، ففي ربيع 1938 قال ليون تروتسكي لأندريه بريتون، خلال زيارة الأخير إلى كويواكان:
"إنكم تتذرعون بفرويد، ولكن ألا يفعل عكس ما تفعلون؟ إن فرويد يرفع الوعي الباطن إلى الوعي. ألا تحاولون كبت الوعي تحت اللاوعي؟" (نقلاً عن جان فان هيجنورت: مع تروتسكي في المنفى، من برينكيبو إلى كويواكان، 1978، ص 122).


وفي شتاء 1949، أورد ميشيل كاروج كلام بريتون في "بيان السوريالية الثاني": "إن كل شيء يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك نقطة معينة في الفكر تكف عندها الحياة والموت، الواقعي والخيالي، الماضي والمستقبل، ما يمكن إيصاله وما لا يمكن إيصاله، الأعلى والأسفل، عن أن ينظر إليها بشكل متناقض. والحال أنه من العبث البحث عن دافع آخر للنشاط السوريالي غير الأمل في تحديد هذه النقطة". (بريتون: بيانات السوريالية، 1985، ص ص 72-73. تختلف ترجمتنا لهذه الفقرة، جزئياً، عن ترجمة أدونيس لها. – ب. س.) ثم قال:
"ذلكم هو مفتاح السوريالية.
" إن هذا المفهوم عن نقطة عليا، تعلو جميع التناقضات... يصاغ بشكل سافر خاصة في بعض كتابات القبالة (حركة صوفية يهودية ظهرت في القرن الثاني الميلادي. – ب. س.) فوفقاً للزوهار (نص رئيسي للقبالة نشر في القرن الثالث عشر الميلادي. – ب. س.) تعتبر النقطة العليا هي النقطة الأولى التي خلق الإله العالم بدءاً منها. والسوريالية كما عرفها بريتون فلسفة ملحدة، لكنها تبنت تحت شكل دنيوي وغير ديني تماماً هذه الفكرة عن نقطة عليا، عبارة عن بؤرة حية للكون" (مارك إيجيلدينجر، (م): أندريه بريتون، أبحاث وشهادات، 1949، ص 69).


ومن جهة أخرى، فإننا نظن أن مما لا معنى له أن جورج حنين، أحد أبرز ممثلي السوريالية التاريخية، قد عكف على قراءة الحلاج (ساران أليكسندريان: جورج حنين، 1981، ص 9).


فلماذا يريد أدونيس الإيحاء للقارئ بأنه يقدم له اكتشافاً جديداً؟.

من جوجول إلى محمد حسنين هيكل

بشير السباعي
مجلة "أدب ونقد"، مارس 1990



جوجول


لا تستند فكرة "الشخصية القومية" أو "الخصوصية السيكولوجية" أو "التكوين النفسي المشترك" لشعب من الشعوب إلى أي أساس علمي، حتى الآن على الأقل!


والأرجح أن هذه الفكرة تجد جذوراً لها في الفولوكلور وقد تسربت من الفولوكلور إلى فلسفات التاريخ المثالية، خاصة فلسفات التاريخ الكلاسيكية الألمانية وإلى جانب من الكتابات الاستشراقية ثم لقيت انتشاراً واسعاً في كتابات الأيديولوجيين القوميين، خاصةً خلال فترات الحروب "الساخنة" و"الباردة" على حد سواء.


وقد وقف الجمهور القارئ العربي على جانب من الصياغات الأوروبية لهذه الفكرة من خلال كتابات السوسيولوجي المثالي الفرنسي جوستاف لوبون (1841-1931)، الذي ترجمت أعماله الرئيسية إلى العربية في أوائل هذا القرن.


وقد تسربت هذه الفكرة إلى صفوف الإنتلجنتسيا اليسارية العربية من خلال كراس جوزيف ستالين (1879-1953) "الماركسية والمسألة القومية" (1913) الذي أدرج "التكوين النفسي المشترك" في تعريف الأمة، مواصلاً بذلك جانباً من آراء أوتو باور (1881-1938) التي كان الأخير قد أعرب عنها في كتابه "المسألة القومية والاشتراكية الديموقراطية"، الصادر في فيينا في عام 1907. وغني عن البيان أن لينين (1870-1924) قد سخر من آراء أوتو باور السيكولوجية في معرض نقاشه لمسألة حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها.


وفي كتابه الأخير، "الزلزال السوفيتي" (دار الشروق، القاهرة، 1990)، عاد محمد حسنين هيكل إلى تفجير مسألة "التكوين" هذه بحديثه عن "تكوين الشعب الروسي"، دون أن يمهد لهذا الحديث بأي تبرير علمي لفكرة "التكوين" هذه، وكأنها من المسلَّمات التي لا تقبل نقاشاً!
وأياً كان الأمر، يرى الكاتب أن هذا "التكوين" متأثر بتراث "العبودية" (يقصد نظام حلسية الأرض الذي أباح للملاك التعامل مع الفلاحين كما لو كانوا مواشي يمكن بيعها مع الأرض أو منحها كهدية، وهو "حق" ألغي في فبراير 1861 بسبب تزايد الاضطرابات الفلاحية وتجاوباً مع جانب من متطلبات التطور الرأسمالي).


ويرى الكاتب أن تأثر "تكوين الشعب الروسي" بهذا التراث كان حاسماً، بحيث أن الروسي العادي [الذي ناضل من أجل إلغاء حلسية الأرض، كما تشهد على ذلك حرب الفلاحين الكبرى بين عامي 1773 و1775 واضطرابات أوائل الستينيات الفلاحية في القرن التاسع عشر ب. س. ] "يريد من حاكمه أن يكون نصف متوحش ونصف إله، وهذا بين ضمانات استمرار شرعيته" (ص 95)!


وهذا الادعاء، كما يمكن أن نرى، ليس جديداً تماماً، فقد سبق للأديب الروسي جوجول (1809-1852) أن ردد زعماً قريباً منه في كتابه "فقرات مختارة من مراسلات مع أصدقاء" (1847). لكن هذا الزعم قوبل في حينه بالتفنيد من جانب الناقد الروسي بيلينسكي (1811-1848) في رسالته الشهيرة إلى جوجول والمؤرخة في 3 يوليو 1847. وقد ذكر بيلينسكي في هذه الرسالة – البيان أن هذا الزعم "لم يلق تعاطفاً لدى أحد وأدى إلى الانتقاص من شأنك حتى في أعين الأشخاص الذين تعتبر نظرتهم قريبة للغاية من نظرتك؛ في مسائل أخرى".

بيلينسكي

ويجب أن نتذكر أن كثيرين قد وقفوا إلى جانب بيلينسكي في دفاعه عن الشعب الروسي ضد مزاعم جوجول وأن التهمة التي قادت دستويفسكي (1821-1881) إلى الأشغال الشاقة كانت هي تلاوته رسالة بيلينسكي إلى جوجول في أحد الاجتماعات السرية(1).
وفي سياق ادعاء محمد حسنين هيكل، فإن تاريخ روسيا السياسي الحديث في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين يبدو بوصفه تاريخ "صراع بين المثقفين والقياصرة" (ص ص 68-69)!

وإذا كان صحيحاً أن الصراع بين المثقفين والقياصرة هو ملمح لا ينكر من ملامح التاريخ السياسي الروسي الحديث، خاصة خلال الفترة الممتدة من أواخر عشرينيات إلى أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر، والتي تميزت بركود الحركة الفلاحية، فإن الصحيح أيضاً، هو أن "الروسي العادي" (خاصة العامل) كان القوة الرئيسية في الصراع ضد القيصرية خلال الفترة ذاتها التي يزعم الكاتب أنها لم تعرف غير الصراع بين المثقفين والقياصرة!

ولو كان صحيحاً أن "الروسي العادي" - كما يزعم الكاتب – "يريد من حاكمه أن يكون نصف متوحش ونصف إله، وهذا بين ضمانات استمرار شرعيته"، فكيف يفسر لنا الكاتب ثورة "الروسي العادي" هذا نفسه على أنصاف المتوحشين وأنصاف الآلهة في الثورة الروسية الأولى بين عامي 1905 و1907 والثورة الروسية الثانية في فبراير 1917 والثورة الروسية الثالثة في أكتوبر 1917 وخلال الحرب الأهلية الروسية بين عامي 1918 و 1921 (ثلاث ثورات وحرب أهلية مجموع سنواتها الدرامية ثماني سنوات خلال ست عشرة سنة فقط، وهو رصيد كفاح في سبيل الحرية يتجاوز رصيد كفاح أي شعب أوروبي آخر في التاريخ الحديث علاوة على مغزاه التاريخي – البشري العام)؟!

وإذا كان من المؤسف أن يردد كاتب – على مشارف القرن الحادي والعشرين – خرافات يفندها التاريخ الروسي منذ القرن الثامن عشر، إن لم يكن منذ ما قبل ذلك أيضاً(2)، إلا أن هذا هو حال الكتاب الذين لم يتمكنوا حتى الآن من تجاوز الأساطير التي كانت رائجة خلال فترات ذروة الحرب الباردة!

الهوامش:
1- لابد من التشديد على أن "هفوة" جوجول تتعارض مع جوهر أعماله الإبداعية الخالدة وهو ما أشار إليه كبار النقاد الروس. وخلال الذكرى الخمسين لرحيل الأديب الكبير، دعا ليون تروتسكي (1879-1940) إلى اغتفار الهفوة "الصحافية" لقاء ما قدمه جوجول من خدمة عظمى للأدب. وواضح أن المسألة مع محمد حسنين هيكل ليست مسألة هفوة "صحافية" بل مسألة موقف مقصود يتخلل كتاباته عن الاتحاد السوفيتي.

2- بين عامي 1606 و1607، شهدت روسيا أول حروبها الفلاحية. وبالمناسبة، فقد كان إيفان بولوتنيكوف، قائد الفلاحين في هذه الحرب، "عبداً" حقيقياً سابقاً، وكان في وقت من الأوقات سجيناً في تركيا. ولم ينجح القيصر فاسيلي شويسكي في سحق المتمردين، المتمركزين في مدينة تولا باستخدام قوة السلاح فلجأ إلى بناء سد على نهر أوبا وأغرق جزءاً ملحوظاً من المدينة لإجبار المتمردين على الاستسلام وهو ما حدث في أكتوبر 1607. وقد استكمل القيصر وحشيته بعد استسلام المتمردين بإنزال القمع الوحشي بهم وبتنكره لتعهده بعدم إعدام بولوتنيكوف، حيث أمر بسمل عينيه وإغراقه حياً في حفرة من الجليد!.

هنري عويس

مناقشة أطروحة السيدة دنيا أبو رشيد باديني
(تصوير ب. س.)

السبت 9 ديسمبر/ كانون الأول 2006
المعهد القومي للّغات والحضارات الشرقية – باريس
مجلة شعر اللبنانية وأحد رموزها: أنسي الحاج
فهرس محتويات مجلة شعر ودراسة عمل أنسي الحاج الشعري

الخطة

1ـ الإقامات البيروتية
2ـ الأقنعة الخمسة
3ـ باليه اللغات
4ـ الغرب مرجعًا
5ـ ترجمة شاعر شعرًا
6ـ على سبيل التحية


1- الإقامات البيروتية

كان ذلك نحو أواخر تسعينيات القرن الماضي عندما اتصل بي السيد الپروفيسور سليم عبو، الذي كان، على التعاقب، عميدًا لكلية الآداب والعلوم الإنسانية ورئيس جامعة سان چوزيف، لكي يخبرني بمجيء دنيا أبو رشيد إلى بيروت، وقد لفت انتباهي إلى أمرين: الأمر الأول هو أن الطالبة الشابة مهتمة بالحركة الشعرية لمجلة شعر وخاصة بأنسي الحاج، والأمر الثاني أنها مقيمة بدار الآباء في شارع مونّو. وبعد ذلك ببضعة أيام، زارتني الطالبة في مكتبي في شارع أوڤلان وعرضت عليَّ مشروع أطروحتها. وبالنظر إلى ما أحسست به من الحماسة والإصرار لديها، أدركت على الفور أنها جاءت لتزور مباشرةً أماكن ما سماه أنسي الحاج في افتتاحية يوم الخميس 12 نوڤمبر/ تشرين الثاني 1998 في صحيفة النهار بـ«جزيرة الحرية»، وهي الافتتاحية التي أعيد نشرها بالفرنسية في مجلة «قنطرة»، الصادرة عن معهد العالم العربي، وقد عاين فيها ما يلي: «خسر العرب بتقويض لبنان أكثر مما خسروا في الأندلس وفلسطين، خسروا جزيرة الحرية»، لأنه، في رأي أنسي الحاج: «تلك الجزيرة هي لبنانيو الخيال وعرب الخيال الذين حلموا حلمًا صار موجودًا وغير موجود. وصنعوا كتابةً أبلغ ما فيها هو الحلم. وصنعوا عالمًا واقعه أسطورة وأسطورته واقع. واخترقوا حتى الحدود التي رسموها هم».


ومن ثم فإن دنيا أبو رشيد، مدفوعةً بحنين معين إلى الماضي، قد تفضلت بإعادة بناء ستينيات القرن العشرين ومقابلة الفاعلين فيها والقيام، في الساحة، بتشمم عطر حركة تجديدية كان عمرها في عمر الزهور. وبعبارة أخرى، فإن طالبة درجة الدكتوراه قد أخذت على عاتقها القيام بالمهمة النبيلة التي تتمثل في عدم ترك تجربة مجلة شعر تسقط في النسيان وتقديم أنسي الحاج، منشطها الأساسي، إلى الوسط الجامعي الفرنسي عبر دراسة أعدت إعدادًا محكمًا في جزءين يتألفان من ستة فصول تتضمن 18 قسمًا، تنتشر على 634 صفحة. وكان على الطالبة، لكي تنجز مشروعها، أن تقوم بعدة إقامات في بيروت قضت خلالها ساعات طويلة في الجامعة الأميركية أو في المكتبة الشرقية بجامعة سان چوزيف أو مع المتخصصين والقريبين من مجلة شعر، كما مع نقاد هذه المجلة. وكانت تبحث عن معلومات وتوضيحات أو عن إجابات على تساؤلاتها. وغالبًا ما حدثتني عما آلت إليه بحوثها وقد شعرتُ بأن اختيار ممثل مرهف الحس ورقيق وشفاف سوف يتجه إلى أنسي الحاج، ذلك الشاعر المتفرغ للشعر على مر الأيام. فالواقع أن أنسي الحاج لم يلعب قط دور الشاعر، لم يؤد قط دور الشاعر، بل هو، بشكل طبيعي وبسيط، شاعر. وبما أن أنسي الحاج شاعر فريد، فقد كان شاعرًا قبل مجلة شعر وأثناء صدورها وبعد توقفها.

2- الأقنعة الخمسة


أَمَا وقد قلتُ ما قلت، فإنه يبدو لي أن دنيا أبو رشيد، لكي تصل بدراستها إلى غايتها، قد استعارت عدة أقنعة: أولاً قناع كاتب المذكرات وواضع البيبليوجرافيا، ثم قناع عالِم الاجتماع والناقد، وأخيرًا وبالأخص قناع المترجم. كاتب المذكرات التاريخية، فصاحبة الأطروحة قد أعادت على مدار 360 صفحة بناء ذكرى جانب ملحوظ بأكمله من حياة شعر عبر كتاباتها وأبوابها وندوات خميسها ومنشوراتها وتصنيف محتوياتها، وهي تستحق بالفعل لقب حارسة ذاكرة شعر أو أيضًا حافظة ذاكرة شعر، و، لم لا، مفهرسة شعر. ومن حيث كونها واضعة بيبليوجرافيا، فإنها قد تتبعت على مدار 183 صفحة، بشكل يدعو إلى الإعجاب، مسيرة أنسي الحاج الشعرية، ذلك الطفل الذي فقد أمه في السابعة من عمره على أثر سرطان أصيبت به، وذلك اليافع الذي أحب القراءة وكان له عالمه الخاص، وأنسي الزوج الشاب، أنسي الذي أخذ يخطو خطواته الأولى في الكتابة ... وبالأخص أنسي الفريد عبر مجموعاته الشعرية التي قدمتها دنيا أبو رشيد وحللتها بكثير من الرهافة.


كما أن طالبة درجة الدكتوراه كاتبة تراجم. ومن حيث كونها عالمة اجتماع، فقد وضعت حدث شعر الشعري في سياقه الاجتماعي ودرست، على غرار ريچيس دوبريه، قنوات «ميديولوچيا» المشروع الحداثي ليوسف الخال ورفاقه استنادًا إلى مرويات وصفية ومجموعات صور (ص ص 249 – 251)، وهي تتزود عندئذ بصفة بحاثة في علم الاجتماع. أمَّا من حيث كونها ناقدة، فقد تمكنت من الحفاظ على نظرة موضوعية عبر مراعاة جميع المواقف فأوْلتْ لكل موقف منها الاهتمام عينه، من مجلة الآداب إلى نازك الملائكة وخالدة سعيد وصبري حافظ (ص ص 310 – 337)، وذلك في صميم أسلوبها في تقديم هذه المواقف أو مناقشتها، فأضافت عندئذ إلى ألقابها السابقة لقب صاحبة المنهج النقدي أو أيضًا صاحبة الروح النقدية. بيد أن دنيا أبو رشيد باديني، في أطروحتها كلها، كان لها باستمرار مسلك المترجم، أعني الوسيط، الممسك بالميزان، وفاعل التوصيل والمفاوِض. وقد يرجع إلى «حالة المترجم» أو «وضعية المترجم» هذه تمكينُ هذه الدراسة من زيارة اللغة العربية في أكثر نصوصها تركيزًا وتجديدًا وفهمُ هذه النصوص ومناقشتُها وتحديدُ موقعها وتوضيحُها في لغة أخرى، أي فهمُها بالعربية وإفهامُها بالفرنسية. والأرجح أن طالبة درجة الدكتوراه قد اتبعت النهج المقابل لنهج أناس شعر الذين كان لهم بدورهم مسلك المترجمين: فقد فهموا بالفرنسية أو الإنجليزية، بيد أنهم عبروا عن أنفسهم أو جعلوا أنفسهم مفهومين بالعربية.

3- باليه اللغات


بيد أن حركة الذهاب والإياب هذه بين لغتين إنما تدفعني إلى التساؤل: لو لم يكن أناس شعر ثنائيي اللغة، هل كان الشعر العربي سيفقد لقاءه مع قصيدة النثر؟ وترتيبًا على ذلك، أَلاَ يُعَدُّ نتاجهم بالأحرى ترجمة أو تعريبًا أو نتاجًا مشتركًا ؟ ثم أيجوز اعتبار هذا النتاج بمثابة الأصل أم أنه يظل بالفعل مجرد مستنسخ ومن ثم لا يعودُ موقعُ الإشكالية على مستوى «التراث» و«الحداثة» الذي جرت معالجته معالجة عميقة في ص ص 270 – 305، بل على مستوى القابل للترجمة وما لا يقبل الترجمة ؟ لنأخذ على سبيل المثال مقدمة «لن»، فهل هي النص المنقول إلى العربية عن النص الأصلي الفرنسي الذي وضعته سوزان برنار ؟ وهل ينحصر تساؤلنا في مجرد معرفة ما إذا كانت هذه الترجمة عمل مترجم مصدري أم عمل مترجم ناقل إلى لغة أخرى عن مصدر أصلي، بحسب التعبير العزيز على قلب چ.ر. لادميرال ؟ وهو ما يعني أن نقاشنا لا يتصل بالمضمون من حيث كونه مضمونًا بل من حيث كونه استراتيچية ترجمة. اسمحوا لي أن أقص عليكم ما يلي: لقد قرأت في سبعينيات القرن الماضي نتاجًا، قصيدة نثر، بالعربية، لصديقٍ شاعرٍ لبناني. وإذ أبديت له انعدام أي استجابة من جانبي بالنظر إلى الانعدام الكامل للفهم، سألني صديقي ما إذا كنتُ قد قرأت أرتو أو بونفوا أو بريتون ... ولم يردَّ صديقي على سؤالي: أَلاَ يكون نصك مفهومًا إلاَّ بالاستعانة بالأسماء الثلاثة التي أسلفتَ الإشارة إليها ؟ فهل ستكون للقارئ العربي وحيد اللغة فرصة فهم نتاج شعر ؟ أم أن هذا النتاج لا يخاطب غير نخبة معينة يمكنها في نهاية المطاف الاستغناء عن العربية المنقول إليها والاتجاه رأسًا إلى المصدر، فما الذي يبقى للقارئ العربي لكي يفعله ؟ أيمكن أن نستعير من أنسي الحل ونقترح: « الاختناق أو الجنون» ؟


في كتاب بلغتين صدر في عام 2005 في مجموعة اللغات المصدر – اللغات المنقول إليها، تحت عنوان: «ماء الورد، ماء الخَل: الكتابة، الترجمة، المتعة»، وهو عمل لأربعة مؤلفين، كتبتُ مع زميلي چرچوره حردان حول اللغة العربية والثنائية اللغوية: «فيما يتعلق بسكان هذه المنطقة من العالم (لبنان)، فإن لهم تاريخًا خاصًّا مع اللغات. فهم أشبه ما يكونون بمن تجتاحهم على نحو متواصل موجات متباينة وغير مستقرة، مشدودين بين حركتي مد وجزر، منتقلين من الهدوء الأتم إلى الهياج الأكثر جنونًا. فهم في ترحال أبدي بين مختلف اللغات. وقد سعوا إلى عدم خلط نبرة إحداها بنبرة الأخرى. بيد أن الغالبية بينهم ينتجون خليطًا نادرًا غالبًا ما يهدد بقطع أنفاسهم. وإذا ما حدث لهم وبلغوا سرعة بارجةٍ في التعبير باللغة الأولى، فهل سيكون بوسعهم الحفاظ عليها دون اللجوء بشكل لا يُقَاوَمُ إلى أساليب اللغة الثانية أو الثالثة أو الرابعة ؟ ومن الذي يمكنه الزعم بأنه يحافظ على استيعاب كامل ومتوازن للغة ولغة أخرى أو عدة لغات أخرى ؟ وإذا ما افترضنا حدوث ذلك وأن التوازن بين اللغتين هو من أكثر التوازنات كمالاً، فهل يمكن الزعم عندئذ بأن للمرء لغتين أمين قامتا معا بإرضاعه وهدهدته في المهد وإحاطته بالحنان والحب ؟ وما الذي أَحَسَّ َ به وأي خير عميم حلّ به إن نادى أمه فأجابته اثنتان: يا عيون أمك، أو يا عيون أميك أو أمهاتك ؟!
العربية بألف خير. ولكن سلوا من يجترها ويستهلكها استهلاكًا ألديه الجرأة على الابتكار ؟!

4- الغرب مرجعًا


لقد أجزت لنفسي التوقف عند ثلاث نقاط: الترجمة والثنائية اللغوية واللغة العربية ليس لكي أشكك في القيمة الشعرية لمجلة شعر، خاصة قصيدة النثر، أو لكي أدافع «بشكل إيديولوچي» عن اللغة العربية ولكي أرفض الثنائية أو الثلاثية اللغوية، وإنما لكي أطرح نقطة رابعة هي نقطة الغرب بوصفه المرجع الوحيد والأخير. وبعبارة أخرى، ادعاء أن الضفتين لا يمكن أن تقوم بينهما علاقات قائمة على الاحترام والتبادل والإثراء المتبادل على نحو ما ذكره ألبير چاكار في رُبَّان الكلمات: «إنني، دون أن أعي ذلك، أتكلم العربية والصينية والتركية والسنسكريتية. أنا الذي أتصور أنني لا أتكلم سوى الفرنسية، "أجمل لغات العالم"، كما هو واضح. لكنها إذا كانت "الأجمل"، فما ذلك إلاَّ لأنها قد تمكنت من استيعاب الكلمات التي اقترحتها عليها اللغاتُ الأخرى، وتمكنتْ، بقبولها لهذه الكلمات، من إثراء نفسها بالمفاهيم التي تستدعيها الكلمات (...)»، ويختتم چاكار كلامه بـ«إنني لا أنتمي إلى جنس، بل أنتمي إلى النوع البشري، وينبع ثراء هذا النوع من أن البشر يملكون المقدرة الغريبة على أن يتهادوا بعضهم مع البعض الآخر جميع تساؤلاتهم عن العالم المحيط بهم و، بالأخص، عن أنفسهم». فهل صحيح أن شعري لن يتم الاعتراف به إلاَّ إذا تماهى مع الأصل الغربي، وأن لغتي وحياتي اليومية ومسلكي لن يتم الاعتراف بها أو قبولها البتة إلاَّ إذا تطابقت مع لغة الغرب وحياته اليومية ومسلكه ؟ إن هذه المقاربة التي تتحدث عن عالمين إنما تضعهما في نزاع مباشر وتؤدي إلى أشكال رفض متبادلة وإلى مواقف متصلبة نتيجتها الوحيدة هي التعصب وترجمتها العملية الوحيدة هي العنف. وفي حالة أنسي وشعراء حركة شعر، هل ينبع الاعتراف بهم كشعراء حديثين وكحركة حديثة من نجاح معين في الاقتراب إلى أقصى حدٍّ من الأصل، الغربي ؟ أهم شعراء ليس مشهودًا لهم إلاَّ بحكم ذلك ؟ وأنسي إزاء القارئ العربي وحيد اللغة هو بدرجات مختلفة شاعر، ولكن إزاء پريڤير أو آرتو، ألخ، أهو شاعر أم منتحل ؟ وهل نتاجه هو الأصل أم أنه تقليد تافه القيمة ؟


إن الدراسة المعمَّقة التي قامت بها السيدة باديني قد أحيت من جديد نقاش سبعينيات القرن الماضي المجيدة عشية النكبة اللبنانية مباشرة، وهو نقاش ما تزال له راهنيته في «جزيرة الحرية» التي برغم النار والدم والدموع ما تزال في الشرق، بحسب ناديا تويني، «الملاذ الوحيد الذي يمكن فيه للإنسان دومًا أن يتدثر بالضياء».

5- ترجمة شاعر شعرًا


سوف تتصل النقطة الخامسة في مداخلتي ببعض عناصر أنسي الشاعر المقيم دومًا في مملكة الأدب. أمَّا فيما يتعلق بالنقطة السادسة فسوف تتصل بـ«الترجمة شعرًا»، وهي مهمة يتقاسمها أنسي ودنيا في آن واحد.
العنصر الأول هو حساسية الطفل ابن السابعة من العمر، والذي عذَبه موت من اعتمد عليها، فقدُ من كانت تحتضنه، والحال أن مرهفي الحس العظماء الموجودين في حياة الكائنات التي تعاني هم في الفن كائنات تبدع، فتثأر بطريقتها من تعاسات المصير. وكان فعل الكتابة ثأر أنسي، أسلوبه في اللعب مع أمه «الصغيرة»، أسلوبه في أن يوضح لها ما أصبح قادرًا عليه، ومن المؤكد أن مردوده لا يعود يخصه وحده، لأنه قد دعا الآخر، القارئ، «رسميًّا»، اعتبارًا من عام 1963، تاريخ ظهور «لن»، و«الرأس المقطوع»، إلى «وليمتـ»ـه التي تمكَّن، بالرغم من كل رغبته في الانفتاح، من إخفائها في مخابئ تحمل عناوين «ماضي الأيام الآتية» في عام 1965 و«ماذا صنعت بالذهب ؟ ماذا فعلت بالوردة؟» في عام 1970 و«الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» في عام1975. بيد أن أنسي في كل مكان، قبل وخلال وبعد تجربة مجلة شعر، إنما يسكن هذا العنوان لچورچ شحاده «السابح في حب واحد». فأمه كانت بالنسبة له امرأة ولغة ووطنا وقصيدة نثر وشعر نثر.


إنه الطفل ذو الأعوام السبعة الذي لم يتوقف قط عن ألعابه، حتى في إهداءاته: منكِ، إليّ، إلى زوجتي، مغلوبُك. وتشير طالبة درجة الدكتوراه إلى أن أنسي «يعرف أن قصائده لن تُغَنّى كقصائد نزار قباني، يعرف أنها قد تُقْرَأُ، في الصمت». ولكن لماذا هذه الملاحظة ؟ إن قباني شاعر بطريقته، وكذلك أنسي، وقد لا تكون الأغنية مصدرًا للمجد ولا دليلاً على السطحية. والآخر، القارئ، هو الذي يملك الحق في الاختيار، في أن يخصص ستة أيام من الأسبوع لأحدهما، وفي أن يخصص أيام الآحاد أو أيام العطلات للآخر. إن طزاجة طفل في السابعة من عمره لهيَ الشعرُ الخالص، فأليس في هذا العمر يظهر «الأمراء الصغار» الذين يتحاورون مع الذئاب والورود والذين يرسمون الأفاعي على شكل قبعة ؟ والدهشة يجب أن تضاف إلى الحساسية. فالواقع أن أنسي لم يكف البتة عن إدهاشنا ويا لها من مهارة أبدتها دنيا عندما وجهت اختيارها إلى مقتطفات كاشفة :


« تريدون شعراً؟
ومتى كان الشاعرُ يكتب شعراً؟ »
«الوليمة»
أو أيضًا
« ريشةٌ صغيرةٌ تهبط من عصفور
في اللطيف الربيع
تقطع رأسي »
«ماذا صنعتَ ...»


أَلاَ ترى السيدة باديني، ذات الدراية الثاقبة بحركة شعر وبأنسي، أن أنسي شاعر فريد ؟ وأن شعر أو التشابه مع شعراء على الضفة نفسها أو على ضفاف أخرى ما كانا غير لحظاتٍ مناسبةٍ، وقت تناول قهوة في شُرفة، لتبادل تحية الصباح أو لتبادل بضع كلمات ؟
أمَّا فيما يتعلق بالترجمة، فإن الإشكالية إنما تقع على المستوى المزدوج لنشاط الترجمة في حد ذاته والمجال الذي يقترح على نفسه العمل فيه. وفيما يتعلق بالمستوى الأول، فإنه كان قد طرح إلى حد بعيد مع «الترجمات الجميلة غير الأمينة» لچورچ مونان مع التشديد على ذلك التعارض بين عدة حجج حول إمكانية واستحالة الترجمة. وهذا بالأخص هو المجال الذي تحدث فيه الترجمة والذي يهمنا، مجال الشعر، بعبارة أخرى: هل يمكن ترجمة الشعر؟ إن المترجمين لم يتوقعوا قط إجابة عن هذا السؤال، وهم منذ زمن بعيد ترجموا الشعر، كما أن أنسي ودنيا قد ترجماه. ولكن كيف يمكن تعريف الترجمة ترجمة شعرية ؟ أهي مجرد بسط صحيح لكلمات مطابقة لكلمات الأصل، مع، في حالة العربية، ذلك التبديل البسيط للاتجاه في الكتابة بين اليمين والشمال ؟ أم هي نقل لموقع المعنى بعد نزع الافصاح العزيز على دونيكا سيليسكوڤيتش وماريان لوديريه وجماعة المدرسة العليا للترجمة الفورية والترجمة التحريرية ؟ وهل سيكون على المترجم أن يكتب أو يعيد الكتابة أو يشارك في الكتابة أم أنه أيضًا لا يعرف فعل الكتابة لأنه ليس غير محوِّلٍ أو جهاز تثبيت للتيار لكنه لا يكون البتة تيارًا، فالتيار هو الآخر، هو السيد صاحب العمل، الشاعر ؟ ثم هل سيكون للنص الجديد عين أثر النص القديم ومن ثم سيكون أمينًا له ؟ وهل يخاطب دومًا المخاطَبَ نفسه ؟ والحال أنه إذا كان الشاعر نفسه لا يعرف أو لا يريد أن يعرف أو يتعرف على مخاطَبِهِ أو محاوِرِه فماذا يفعل المترجم وكيف سيختار استراتيچيته ؟ في حديث مع كريستين لو بوف، المترجمة، تسألها فلورانس بوتييه، وهي نفسها مترجمة أدبية، في ميتا، المجلد 2، عام 2004: «أخيرًا، هل يمكنك إخباري بماهية التأملات التي تَعَنُّ لكِ عند ذكر هذه الفكرة لجريجوري راباس، الذي قال إن الترجمة تتيح «متعة الكتابة دون ألم»؟ ألن يكون بوسعنا أن نقول أيضًا العكس، حيث إن غياب وجودنا في كل مكان يمنعنا من أن نكون في آن واحد الكاتب والمترجم ؟». وترد لو بوف بأن «عبارة جريجوري راباس التي تستشهدين بها إنما تجعلني أبتسم، فهناك ألم الولادة، فيما يخيَّلُ إليَّ، أليس كذلك ؟». بيد أن هناك كتابًّا يلدون في سعادة. ومتعة كتابة ترجمة ليست مستثناة من المكابدات، عندما لا يتوصل المترجم إلى العثور على الصيغة التي تليق بالأصل ! وما يمكن قوله هو أن الترجمة تجعل هذه المتعة في متناول من لا يحوزون شيئًا شخصيًّا يحتاجون إلى كتابته. أمَّا فيما يتعلق بالانجذاب إلى الجهتين، فمن المؤكد أن كثيرين من ذوي الأسماء الشهيرة كصمويل بيكيت ونانسي هيوستون يشكلون استثناءًا بترجمتهم أعمالهم بأنفسهم، إذ يجدون في ذلك فرصة لاستكمال النص الأصلي. بيد أن المرء لا يمكنه أن يكون في آن واحد الكاتب والمترجم، وتختتم لو بوف كلامها بقولها: «بيد أن المترجم هو كاتب الترجمة». فاسمحي لي أيتها السيدة باديني بأن أطرح عليك أربع أسئلة بشأن الترجمة شعرًا والكتابة :


1- عند ترجمتك نصوص أنسي، هل ترين أنك قد أنجزت فعل الكتابة ؟
2- ما العلاقة التي عشتها مع أنسي عبر ترجماتك، أهي علاقة كاتب – مترجم، كاتب – شريك في الكتابة، ممثل لأنسي بالفرنسية، دنيا شاعرة تستلهم أنسي ؟ هل مشيتما بإيقاع واحد كما يشير إلى ذلك الكتابُ الذي يحمل عنوان : «الكاتب ومترجمه» في سويسرا وفي أوروبا، تحت إشراف ماريون جراف، صور ايڤون بوهلر، دار نشر ZOE، 1998 ؟
3- هل قرأتِ لأنسي نصوصه مترجمةً ؟ وماذا كان رد فعله ؟
4- ما الذي سَهَّلَ لكِ مهمة ترجمة النصوص إلى الفرنسية، أهو الشاعر أنسي، بعد الرجوع إليه، أم هو نصه بلغته وبنيته أم هو وفاق تام، مشاركة شعورية ؟


6- على سبيل التحية


لقد حاولتُ في مساهمتي في هذه المناقشة جد الثرية بتنوع أعضاء اللجنة: المغرب، فرنسا، لبنان، إيطاليا، وبأداءات الممثلة الرئيسة في هذا الحدث، كاتبة المذكرات وواضعة البيبليوجرافيا وعالمة الاجتماع والناقدة والمترجمة، أن أسلط الضوء على ست نقاط ما تزال تغذي النقاشات الأكثر حدة حول: الترجمة، الثنائية اللغوية، اللغة العربية، الغرب، أنسي الشاعر الفريد تمامًا، والترجمة شعرًا، ومن المؤكد أن الأسئلة التي تنبثق عن ذلك إنما تشهد على أهمية هذا العمل وجودته، خاصة اجتماع المحبة والحماسة اللتين ميزتا مجمل مرحلة التحضير. ويبقى عليَّ أن أشير، تعليقًا على هذه الفكرة الواردة في الصفحة 560، السطر الثالث، بشأن «الشعر الذي تعلم استحضار الحياة اليومية، تفاصيل جميع الأيام...» إلى أن كل شعرنا العربي، بدرجات مختلفة، قد قام، منذ الجاهلية، بتصوير الحياة: الديار، المعارك، الغراميات، الليل، الترحال، المؤامرات السياسية، السادة، وأَلاَ يقالُ عن شاعر ذلك العصر أنه كان كاتب يوميات (كاتب أخبار) زمنه ؟!


وختامًا، أود انتهاز هذه الفرصة لكي أعلن أن مجموعة اللغات المصدر – اللغات المنقول إليها، التي أشرت إليها أعلاه، والتي تصدرها مدرسة المترجمين والمترجمين الفوريين ببيروت بجامعة سان چوزيف، والتي يشرف عليها چرچوره حردان وأنا إنما تقترح على نفسها أن تكون هذه الأطروحة ضمن العناوين التي سوف تصدرها في عام 2007، والمجموعة ترحب تمامًا بنشر مشترك مع المعهد القومي للُّغات والحضارات الشرقية مماثل للنشر الذي حققناه مع دار نشر جامعة أوتاوا لعمل چان دوليل. شكرًا أيتها السيدة باديني على عملك. واسمحي لي بالمناسبة أن أصحح كل ألقابك السابقة وأن أسميك «سفيرة» الجمهورية الشعرية اللبنانية، جمهورية الحلم والتجديد. أمَّا لك يا أنسي، فقد يكون صحيحًا أن « قمر الشعر انكسر/ وغرق في دماء لبنان » كما تقول في «الوليمة». لكننا أبدًا أبدًا لن نتخلف عن تلبية ندائك:


انقلوني إلى جميع اللغات لتسمعني حبيبتي
انقلوني إلى جميع الأماكن لأحصر حبيبتي
لترى أنني قديم وجديد
«ماذا صنعتَ بالذهب ؟ ماذا فعلتَ بالوردة ؟»



بيروت – باريس، 9 ديسمبر/ كانون الأول 2006
ترجمة: بشير السباعي

مصطفى حسنين المنصوري (1890-1972)

بشير السباعي


وافق عام 1990 الذكرى المئوية لميلاد داعية الإصلاح الاجتماعي – السياسي المصري مصطفى حسنين المنصوري.
وجاءت هذه الذكرى لتثار من جديد مسألة مكانة عمل المنصوري في التاريخ الحديث لدعوات الإصلاح الاجتماعي – السياسي في مصر والتي كان قد أثارها المستشرق الروسي زلمان إ. ليفين في عام 1968 على صفحات مجلة "شعوب آسيا وأفريقيا" الاستشراقية الروسية، والمستشرق الألماني جيرهارد هيوب في عام 1973 في مساهمته المنشورة في موسكو، هذا إذا اقتصرنا على الإشارة إلى أصحاب الإسهامات الجادة والتي يبدو أن أغلب الباحثين المصريين في الموضوع لم يسمعوا بها حيث لا ترد في كتاباتهم إشارة واحدة إلى هذه الإسهامات.


سيرة المنصوري:


وُلد مصطفى حسنين المنصوري في القاهرة عام 1890 لأسرة ميسورة، حيث كان والده ضابطاً في الجيش المصري ومالكاً عقارياً يمتلك سبع دور سكنية واثنين وسبعين فداناً.


وقد تسنى للمنصوري استكمال تعليمه العلماني الحديث رغم اضطراب الأحوال المالية لأسرته بعد تبديد عائلها لثروته ثم انتحاره. وحصل المنصوري في عام 1911 على شهادة الليسانس في التربية والآداب. وكان على دراية جيدة بالإنجليزية والفرنسية.


وغداة تخرجه من الجامعة الأهلية انتظم المنصوري في السلك التربوي والتعليمي حيث عمل مدرساً في الدقهلية ثم ناظراً لمدرسة طوخ الإعدادية ثم مديراً للتعليم في الفيوم وقد جرى فصله من هذا المنصب الأخير في عام 1930، نتيجة لوشاية محلية ضده. فاستقر في "عزبة المدير" في الشواشنا بالفيوم، وهي العزبة التي حملت هذا الاسم نسبةً إلى الوظيفة التي كان يتقلدها حتى ذلك الحين.


وباستثناء المشاركة في عدد من الندوات الثقافية واجتماع شبه سياسي عرضي بعد الحرب العالمية الأولى، لم يرتبط المنصوري بأية نشاطات سياسية حزبية، وكان بعيداً، بوجهٍ عام، عن الحركة التحررية – القومية المصرية المناوئة للاحتلال الأجنبي وأكثر قُرباً إلى اتجاه أحمد لطفي السيد (1872-1963) المعتدل الداعي إلى التركيز على الإصلاح الداخلي في ظل الاحتلال البريطاني.


في عام 1915، نشر المنصوري كتابه "تاريخ المذاهب الاشتراكية" الذي صدر بعد عامين من صدور كتيب سلامة موسى (1887-1958) "الاشتراكية". وفي عام 1919 نشر ترجمة عربية لرسالة تولستوي (1839-1910) "ماذا نحن فاعلون إذاً" (1886) تحت عنوان "مساوئ النظام الاجتماعي وعلاجها". وفي عام 1920 نشر ترجمة عربية لكتاب هنري جورج (1839-1897) "التقدم والفقر" (1879). وخلال فترة عزلته في الفيوم نشر سلسلة من المقالات تحت عنوان "فلسفة الحياة" في صحيفة "قارون" المحلية الصادرة في الفيوم وكتيباً عن تاريخ الفيوم، كما كتب رسالة تحت عنوان "سبعة أيام في الجنة" لم تنشر بعد.


مصادر كتاب "تاريخ المذاهب الاشتراكية":


في حديث مع كاتب هذه السطور في أواخر سبتمبر 1969، أشار المنصوري إلى أنه قد اعتمد في كتابه المذكور على كتاب افرنجي تحت عنوان "تاريخ الاشتراكية" إلا أنه لم يتمكن من تذكر اسم مؤلف هذا الكتاب الأخير.


ويفترض كاتب هذه السطور، بشكلٍ أوليّ، أن الكتاب الرئيسي الذي اعتمد عليه المنصوري هو كتاب الاقتصادي والسوسيولوجي الإنجليزي توماس كيركاب (1844-1912) "تاريخ الاشتراكية" الذي صدرت طبعته الأولى في لندن في عام 1892 ثم صدرت طبعته الخامسة المنقحة في عام 1913 بمراجعة أ. ر. بيز، وهي الطبعة التي يحتمل أن يكون المنصوري قد اعتمد عليها. إلا أنه لن يتسنى التحقق من مدى صحة هذا الافتراض إلا بفحص كتاب كيركاب نفسه، وهو مالم يتسن لنا حتى الآن.


نبذة عن كتاب "تاريخ المذاهب الاشتراكية":


بعد مقدمة يسوق الكاتب من خلالها تعاريف لعدد من الكتاب الأجانب عن الاشتراكية، يخصص المنصوري فصلاً للاشتراكية في فرنسا ثم فصلاً ثانياً للاشتراكية في انجلترا ثم فصلاً ثالثاً للاشتراكية في ألمانيا ثم يخصص فصلاً للفوضوية في روسيا (يبدو أنه لم يكن يعلم شيئاً عن الديموقراطيين الثوريين أو عن الماركسيين الروس) وفصلاً آخر عن انتشار الاشتراكية ثم فصلاً عن الجمعية الاشتراكية الدولية ثم يخصص فصلاً لمناقشة علاقة الاشتراكية بالداروينية ويتحدث بعد ذلك في فصل تالٍ عن فوضى النظام الاجتماعي المعاصر له، ثم يتناول في فصلٍ تالٍ ما فعلته الاشتراكية لإصلاح المجتمع ثم يترجم مقتطفاً من عمل للأديب الفرنسي أناتول فرانس (1844-1924) ويختتم الكتاب بفصل تحت عنوان "مصر والاشتراكية".


والمحتوى الرئيسي للكتاب هو عرض تيارات الفكر الاشتراكي الأوروبي المختلفة ونشاطات الأحزاب الاشتراكية الأوروبية الرئيسية وبرامجها ونتائج نشاطها بالنسبة للطبقة العاملة الأوروبية.


أما مساهمة المنصوري الخاصة في الكتاب فهي تلك المتعلقة ببرنامج الإصلاحات الذي اقترحه في الفصل الأخير من كتابه وهو برنامج يتألف من ستين مطلباً أهمها الدعوة إلى جعل الوزارة مسئولة أمام الهيئة البرلمانية وكفالة حرية الانتخابات وإيجاد محلفين بالمحاكم الأهلية وتعديل القانون الشرعي بما يتماشى مع الروح العصرية وإلغاء جميع القوانين التي تقيد حرية الاجتماع والخطابة والصحافة. وتندرج جميع مطالب المنصوري ضمن منظور إصلاحي ليبرالي وهو ما أكد عليه المستشرق الروسي زلمان أ. ليفين في كتابه " الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث في لبنان وسوريا ومصر" والذي ترجمناه إلى العربية ونشرنا ترجمته في عام 1978(1).


وتتكشف حدود منظور المنصوري في تجنبه إثارة مسألة إحلال جمهورية محل الحكم السلطاني ومسألة الدعوة إلى انتخاب جمعية تأسيسية شعبية لإقرار دستور ديموقراطي للبلاد ومسألة الدعوة إلى حل المسألة الزراعية حلاً ديموقراطياً وفق مبدأ "الأرض لمن يفلحها"، كما تتكشف حدود هذا المنظور بشكلٍ صارخ في مجال المسألة القومية حيث يقتصر برنامج المنصوري على الدعوة إلى إلغاء امتيازات الأجانب وإلى عدد من المطالب الثانوية دون أن يثير مسألة ضرورة إلغاء الحماية البريطانية وجلاء الإنجليز عن مصر. ويبدو أن المنصوري لم يكن يدرك أن المسألة المركزية التي كانت تواجه مصر في زمانه هي مسألة انتزاع الأمة المصرية حقها في تقرير مصيرها بنفسها وأن تجاهل هذه المسألة يعني سد السبيل أمام أي حل جذري لمشاكل مصر الاجتماعية – الاقتصادية. والأسوأ من ذلك أن المنصوري رغم إقراره بأن الاستعمار يؤدي إلى استعباد الأمم المستعمرة يعلن في كتابه أن "الاستعمار ضروري جداً لانتشار العمران لأن الأمم المنحطة لا تنهض من تلقاء نفسها وإذا نهضت فإن نهوضها يكون بطيئاً جداً" (2) وهو إعلان كان من المستحيل حتى على سلامة موسى، داعية الفابية المصري، أن يؤيده.


والواقع أن هذا المنظور هو الذي يفسر ابتعاد المنصوري عن معسكر الجلائيين وتعاطفه مع تركيز أحمد لطفي السيد على الإصلاحات الليبرالية الداخلية، كما يفسر في الوقت نفسه إعرابه عن الأسف لاغتيال القيصر الروسي أليكسندر الثاني (1818-1881) الذي اعتبره "مصلحاً كبيراً ميالاً إلى الحرية" (3) بينما كان الديموقراطي الثوري نيكولاي تشيرنيشيفسكي (1828-1889) قد اعتبر الإصلاح الذي أعلنه القيصر في 3 مارس 1861 دليلاً على سوء النية الإمبراطورية، وقد ذكر كارل ماركس (1818-1883) في عام 1873 أن الإصلاح الذي أعلنه القيصر لم يكن غير خدعة (4).


المنصوري والإشتراكية:


مع أن المنصوري قد قدم في كتابه عرضاً موجزاً لجوانب من أفكار الماركسية وتاريخها (5)، إلا أنه – كما يؤكد على ذلك ز. أ. ليفين – لم يكن هو نفسه ماركسياً (6) فهو يبدو في كتابه أكثر إعجاباً بسياسات الجناح اليميني للاشتراكية الديموقراطية الأوروبية الغربية، ويتبدى ذلك، مثلاً، في إعجابه بسياسة الوزارة التي شكلها رينيه فيفياني (1863-1925) في فرنسا في 20 أغسطس 1914 إلى حد اعتباره أن فرنسا قد أصبحت في ظل هذه الوزارة بلداً اشتراكياً تماماً! (7) وذلك في الوقت الذي أدان فيه الماركسي الروسي ف. أ. لينين (1870-1924) برنامج فيفياني (8).


ومن الشطط بعد ذلك أن يعلن كاتب مصري للمرة الثانية أن المنصوري لم يكن ماركسياً وحسب، بل كان لينينياً أيضاً! وهو ادعاء سبق للمستشرق الألماني جيرهارد هيوب أن اعتبره مظهراً من مظاهر الرعونة (10).


وإذا كان المنصوري قد حقق انتقالاً من الحماس للاشتراكية الاستيزارية (11) في أوروبا الغربية، فإن هذا الانتقال لم يكن في أي وقت من الأوقات في اتجاه الماركسية بل كان في اتجاه تبني آراء هنري جورج والتي كان ليو تولستوي قد أرشد المنصوري إليها من خلال كتابه "ماذا نحت فاعلون إذاً؟".


في هذا الكتاب الأخير – الذي ترجمه المنصوري – يشير تولستوي إلى أن وجود الملكية الخاصة في الأرض – كما رأى هنري جورج – هو سبب الشقاء والبؤس، وقد تحمس المنصوري لهذا الرأي فترجم كتاب هنري جورج ونشره بعد عام واحد من نشره لترجمة كتاب تولستوي.


والحال أن هنري جورج كان يرى أن السبب الرئيسي لانقسام المجتمع إلى أغنياء وفقراء هو تجريد الشعب من ملكية الأرض لحساب احتكار من جانب كبار ملاك الأرض، الأمر الذي أدى إلى إفقار الشعب. وقد رأى أنه لا يمكن إنهاء هذا الإفقار إلا عن طريق تأميم الدولة البورجوازية للأرض وتأجيرها للأفراد واستخدام الإيجار في الإنفاق على تلبية الحاجات الاجتماعية.


والواقع أن دعوة هنري جورج لم تكن جديدة بالمرة، إذ ترجع أصولها إلى دعوة مماثلة كان قد بادر بها الاقتصادي الفرنسي البورجوازي الصغير جان كولينز (1783-1858) وتلامذته الملتفون حول مجلة "فلسفة المستقبل" الباريسية الذين سموا أنفسهم بـ "الجماعيين العقلانيين".


والحال أن كارل ماركس قد فند هذا الرأي في رسالته إلى سورج والمؤرخة في 20 يونيو 1881، غداة صدور كتاب هنري جورج، حيث بين أن التأميم البورجوازي للأرض لا يزعزع أسس الرأسمالية، بل يساند تطورها ولا يحرر الطبقة العاملة من الفقر. وقد ذكر ماركس في رسالته بأنه كان قد سبق له توضيح ذلك في كتابه "بؤس الفلسفة" الصادر في عام 1847 (12). وقد فصل ماركس رأيه في هذا الموضوع في المجلد الثالث من كتاب "رأس المال" كما طوره في سجاله مع جوهان رودبيرتوس (1805-1875) في كتاب "نظريات القيمة الزائدة". وفي عام 1887، أوضح فريدريك انجلز (1820-1895) تباين آراء ماركس وآراء هنري جورج حول مسألة الأرض فقال : " إذا كان هنري جورج يعتبر احتكار الأرض السبب الوحيد للفقر والشقاء، فمن الطبيعي أن يجد العلاج في استيلاء المجتمع كله على الأرض.

والحال أن الاشتراكيين من مدرسة ماركس يطالبون، هم أيضاً، باستيلاء المجتمع على الأرض، وليس على الأرض فقط بل على جميع وسائل الإنتاج أيضاً. ولكن حتى إذا تركنا هذه الأخيرة جانباً، فإن هناك فارقاً آخر. فما الذي يجب عمله مع الأرض؟ إن الاشتراكيين الحديثين، كما يمثلهم ماركس، يطالبون بضرورة حيازتها وفلاحتها بشكل مشاعي ولحساب الجميع، والشيء نفسه، يجب عمله مع جميع وسائل الإنتاج الأخرى للإنتاج الاجتماعي والمناجم والسكك الحديدية والمصانع.. إلخ، ويريد هنري جورج الاقتصار على تأجيرها للأفراد كما هي الحال في الوقت الحاضر والاكتفاء بتنظيم توزيعها وتحويل الإيجارات إلى خدمة أغراض خاصة كما هي الحال الآن. أما ما يطالب به الاشتراكيون فإنه ينطوي على ثورة كاملة في مجمل نظام الإنتاج الاجتماعي. إن ما يطالب به هنري جورج يترك النمط الحالي للإنتاج الاجتماعي على حاله" (13).


ورب قائل أن دعوة هنري جورج تكتسب في ظروف بلد متخلف وشبه كولونيالي كمصر في العشرينيات بعداً جذرياً، من حيث أنها تكون في تلك الحالة موجهة ضد نمط إنتاج قبل رأسمالي، وبهذا المعنى فإن تبني المنصوري لدعوة هنري جورج يدرج الأول في عداد الديموقراطيين البورجوازيين الذين عرفهم العالم الثالث من أمثال صن يات صن (1866-1925) (14)، لكن المشكلة تتمثل في أن التجربة التاريخية سرعان ما أثبتت استحالة إنجاز مهمات الثورة الديموقراطية البورجوازية التاريخية في العالم الثالث في ظل هيمنة البورجوازية، وهو ما يثبت أن هؤلاء اليموقراطيين البورجوازيين كانوا يوتوبيين.


وفي حالة المنصوري الشخصية، كما في حالة تولستوي الشخصية، فإن النوايا الحسنة تجاه الفلاحين وحسن معاملتهم في عزبة المدير، كما في ياسنايا باليانا (15)، لم تحل دون إرهاقهم بعد وفاة المنصوري، كما بعد وفاة تولستوي، حين استولى الورثة على الأرض!


الهوامش:


1- انظر، ز. أ. ليفين، الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث في لبنان وسوريا ومصر، ترجمة بشير السباعي، دار ابن خلدون، بيروت، 1978، ص 290.
2- مصطفى حسنين المنصوري، تاريخ المذاهب الاشتراكية، 1915، ص 80.
3- المصدر السابق، ص 65.
4- انظر، مؤتمر لاهاي للأممية الأولى، دار التقدم، موسكو، 1976، ص 614 (بالإنجليزية).
5- يفتقر هذا العرض، ضمن أمور أخرى، إلى الإشارة إلى تصور ماركس عن دور الصراع الطبقي في التطور التاريخي.
6- انظر، ز. أ. ليفين، مصدر سبق ذكره، ص 290.
7- انظر، مصطفى حسنين المنصوري، مصدر سبق ذكره، ص27.
8- انظر، ف. أ. لينين: الأعمال الكاملة، المجلد 21، دار التقدم، موسكو، 1964، ص178 (بالإنجليزية). وللاطلاع على سياسة وزارة فيفياني، انظر، تاريخ فرنسا من ثورة 1789 إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، دار التقدم، موسكو، 1978، ص ص 594-598 (بالفرنسية).
9- انظر مجلة "اليسار" القاهرية، عدد أكتوبر 1990، ص ص 86 – 88.
10- انظر، تاريخ واقتصاد بلدان الشرق العربي، دارالعلم، موسكو، 1973، ص283 (بالروسية).
11- بدأت الاشتراكية الاستيزارية مع دخول الاشتراكي الفرنسي ألكسندر ميلليران (1859-1943) الوزارة الفرنسية في عام 1899.
12- انظر، ك. ماركس و ف. انجلز: المراسلات المختارة، دار التقدم، موسكو، ص 1965، ص ص 342-343 (بالإنجليزية).
13- انظر، ك. ماركس و ف. انجلز: حول بريطانيا، دار النشر باللغات الأجنبية، موسكو، 1962، ص 11 (بالإنجليزية).
14-للاطلاع على مناقشة ماركسية لبرنامج صن يات صن الزراعي، المستمد من دعوة هنري جورج، انظر، ف. أ. لينين: الأعمال الكاملة، المجلد 18، دار النشر باللغات الأجنبية الأجنبية، موسكو، 1963، ص ص 163-169 (بالإنجليزية).
15-ياسنايا باليانا – عزبة تولستوي.