تعليق على حكاية بونابارت العربية

بشير السباعي


تدور أحداث الحكاية في زمن الخليفة العباسي، المهدي بن المنصور [158-169 هجرية/ 775-785 مسيحية]، وتستند إلى – وتعيد تشكيل – حدث من أحداث التاريخ الإسلامي هو حركة هشام ابن حكيم في وسط آسيا بين عامي 158-161 هجرية/ 775-778 مسيحية. وكان ابن حكيم قد زعم حلول الله فيه وسارت في أثره جماهير غفيرة، تمكنت جيوشها من إنزال هزائم جسيمة بجيوش الخلافة على مدار أربع سنوات في بخارى ونواحيها، ثم دارت عليه الدوائر، وأخذ أنصاره ينفضون عنه واضطر إلى اتخاذ إحدى القلاع ملاذاً له ولألفين من المؤمنين به. وعندما حوصر، دعا نساءه وأشياعه إلى إلقاء أنفسهم في اللهب والموت معه حتى يكتب لهم الصعود إلى السماء، فاستجاب الجميع لدعوته، وساعد هذا الفعل غير العادي على إحياء فرقته لوقت معين [بحسب سرد ويليام موير في كتابه: الخلافة، قيامها وانحدارها وسقوطها، الصادر في لندن في عام 1891، ص467].


ويستفاد من كتاب الفرق بين الفرق لابن طاهر البغدادي، الذي مات في عام 429 هجرية – 1038 مسيحية، أن فرقة هشام بن حكيم المعروفة باسم المقنعية أو البرقعية [نسبة إلى برقع أو قناع الأخير] كانت لا تزال موجودة في زمانه "ولهم في كل قرية من قراهم مسجد لا يصلون فيه ولكن يكترون مؤذناً يؤذن فيه. وهم يستحلون الميتة والخنزير، وكل واحد منهم يستمتع بامرأة غيره، وإن ظفروا بمسلم لم يره المؤذن الذي في مسجدهم قتلوه وأخفوه، غير أنهم مقهورون بعامة المسلمين في ناحيتهم، والحمد لله على ذلك" (ابن طاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، القاهرة، مؤسسة الحلبي، دون تاريخ، ص 156).


وبالرغم من مبالغات البغدادي في الحديث عن الفرقة المعاصرة له، إلاَّ أن روايته الخاصة بالانتحار الجماعي، والتي أشار إليها موير، لا تختلف كثيراً عن رواية الأخير، وإن كانت روايات أخرى تذهب إلى تكذيب حكاية الانتحار الجماعي وتؤكد أن ابن حكيم، حين استشعر دنو الهزيمة "سقى نساءه سماً ودخل المسلمون الحصن وقطعوا رأسه سنة 163هـ". ولا تفسر هذه الروايات سبب انتشار رواية الانتحار الجماعي التي تؤيدها الروايات المبكرة.


والطريف أن الفرنسيين قد شهدوا نسخة واقعية جديدة من حكاية ابن حكيم في مصر في صيف عام 1799، أي بعد نحو عشر سنوات من كتابة حكاية قناع النبي، حيث ووجه الفرنسيون في دمنهور بانتفاضة يحركها شخص مراكشي زعم أنه المهدي المنتظر. وقد زعم نابويلون في سانت هيلانة أن هذا الرجل قد قتل في معركة 4 يونيو 1799 مع الفرنسيين إلاَّ أن أشياعه زعموا لوقت طويل أنه حي وأنه سوف يظهر عندما يحين الوقت لذلك. – المترجم.

1 التعليقات:

قبلري يقول...

شكرا بشير السباعي لاختياراتك النصوصية المرهفة الدالة الإنسانية الرحبة